التقاريرالحواراتالدراساتتحقيقات‏تقارير

باحثون ونُقّاد: الرواية السعودية هزيلة لم تصمد أمام أدوات النقد

                                                                     علي فايع الألمعي                                                                            محمد البشير

طامي السميري

الكثير من الباحثين والنقاد ممن كانت رسائلهم العلمية في الرواية السعودية و بعد أن حصلوا على شهادة الماجستير والدكتوراه انتهت علاقتهم بالرواية. هذه القطيعة مع المنجز الروائي هل كان نتاج علاقة مكيافيللة مع الرواية السعودية وجسراً للحصول على الشهادة العلمية أم أن الرواية السعودية تعاني من الضعف الفني وبذلك لا تحرض الناقد الأكاديمي على الاستمرارية في القراءة النقدية لتلك الروايات. كان هذا السؤال تم طرحه على العديد من الأسماء الأكاديمية التي نالت رسالتها العلمية وكانت مادتها البحثية هي الرواية السعودية:

د. منى المديهش/ ناقدة وقاصة

القراءة النقدية الأكاديمية تخضع لشروط منهجية دقيقة، وهي تختلف عن القراءة النقدية الصحفية على أهمية النوعين لدعم أي إنتاج إبداعي؛ ودارس الرواية السعودية أكاديمياً ملزم بدراسة شمولية، واستخلاص ظواهر، وغالباً يتفاجأ بأن النصوص التي أمامه لا تصمد أمام الأدوات النقدية التي تسلح بها، فيضطر أن يفتش بالمناقيش، ويجتزئ من النصوص هنا وهناك كي يطبق عليها أداة ما، ولا يتحول بحثه كله إلى وثيقة إدانة لضعف المستوى الفني، لذا حتى وإن رأيت رواية يشاد بها في عنصر من عناصر السرد، لا تلبث هذه الرواية أن تخذل الدارس في عناصر أخرى، ولهذا لا تجد رواية واحدة يمكننا أن نقول عنها رواية عظيمة أو رواية خالدة.ومن خلال تجربتي في دراسة لغة الرواية السعودية، فعلى الرغم من أن (تطور الرواية بتقدم زمنها) في هذه المرحلة من تاريخها كانت إحدى الفرضيات التي قام عليها البحث، إلا أن النتائج أسفرت عن خلاف ذلك، فقد كان التطور جزئياً، وفي بعض النصوص الصادرة في هذه الفترة، وليس كلها، ذلك أنه لم تشهد الرواية السعودية تطوراً وقوة في بنائها اللغوي بتقدم زمنها باطّراد؛ إذ رصد البحث عددا كبيرا من الروايات كانت عودةً بالرواية السعودية إلى ماقبل المرحلة الفنية، قياساً إلى (ثمن التضحية) التي صدرت عام 1378ه، وعدّها النقاد بدء المرحلة الفنية للرواية السعودية.

ووجهة نظري أن السبب في عدم نضج الرواية لدينا ليس عدم مواكبة النقد للإنتاج، بل إنه واكبه (أكثر من اللازم) وكان غالباً برقة وربت على الأكتاف، وكان الهدف عند رواد النقد التشجيع في زمن قلة الإنتاج، لكنه استمر حتى مع هذا الإنتاج الغزير الذي لا يصدر غالبه عن مؤهلات للأسف في ظل غياب سياسة الناشر المعمول بها في الدول المتقدمة، أصبح كل من يريد أن يشتهر على أنه أديب وهو لا يملك الموهبة يتجه إلى الرواية باعتقاده أنها (مجرد حكي)، ثم نجد المطابع تطبع له بلا نقاش ثم يدخل اسمه سجلات الببلوجرافيا وأبحاث الدارسين تحت اسم روائي سعودي. نحن لا نحتاج إلى روايات تتكئ على (وطنيتنا) لتعيش فاللبنة الضعيفة لا تقيم بناءً، بل نحتاج إلى روايات تتقدم بمؤهلاتها هي لتنال شرف الانضمام لتاريخنا الأدبي.

علي فايع الألمعي: ناقد

دعنا أولاً نقرّ بأنّ العلاقة هنا علاقة منفعة فأنا لا أظنّ أنّ ضعف الرواية السعودية الفنّي له علاقة كبيرة بهذه الجفوة، والدليل أنّ هناك دراسات أكاديمية تحيل إلى أعمال ضعيفة لدراستها والتعريف بها، ليس من باب نقدها وبيان الضعف والخلل فيها، ولكنها رؤية الأكاديمي القاصرة للرواية ودورها وربما خوفه وتحرزه من بعضها.

أظنّ (وإن كان بعض الظنّ إثم) أنّ الدرجات الأكاديمية تحجب الناقد/ القارئ السابق عن القراءة والاطلاع وملاحقة المنجز الأدبي وأنّ العلاقة هنا تتحول من علاقة حبّ للقراءة والاطلاع والنقد والتجريب (وهذا قليل) إلى علاقة منفعة بين الباحث والموضوع المراد البحث والترقّي فيه. الدليل أنّ لدينا أسماء كثيرة وكبيرة تعرّفنا عليها انقطعت علاقتها بالساحة الثقافية قراءة وكتابة بعد أن حققت الغاية الكبرى التي كانت تسعى لها، وكذلك لدينا نماذج أخرى ليست قليلة اتخذت الإعلام وسيلة ممكنة للدخول إلى عالم الأكاديميا وانقطعت هي الأخرى بعد تحقيق غايتها، وهنا تبرز بشكل واضح وجليّ المنفعة التي تتكئ على معطى، وهذا المعطى هو الإبداع.

لدينا مع الأسف الشديد أكاديميون أميون، وأنا هنا لا أعمّم بل أحصر هذه الأميّة في بعض الأكاديميين، والأميّة هنا الانقطاع الكامل بين الدرجة الأكاديمية والقراءة التي عادة لا تكون بغرض المتعة والفائدة بل لغرض الترقّي الوظيفي. كما أنّ لدينا أكاديميين أميين لا علاقة لهم بالكتاب لا من قريب أو بعيد إلاّ إن كان لغرض بحثي ولذلك تأتي بحوثهم جافة لا قيمة لها ولا فائدة ترجى من ورائها.

وقد ألفيت بعض الأكاديميين ينصتون لأحاديث القرّاء الحقيقيين الذين يقرؤون حباً ومتعة فتأخذهم الدهشة وتقرأ في عيونهم الصدمة، كلّ هذا يحيل إلى أنّ القراءة انقطعت بعد تحقيق المنفعة.

أضف إلى ذلك أنّ هذه الدراسات الأكاديمية لا تُحدث أثراً في الساحة الثقافية بعد إتمامها، نتيجة الانقطاع عنها، ويبدو أنّ الرغبة في ترك أثر لدى الأكاديمي الدارس لا ترد مطلقاً في حيثيات البحث.

د. خلود سفر الحارثي/ ناقدة

أعتقد أن الباحث بعدما ينتهي بحثه عن أي موضوع يشعر أنه قدم فيه كل ما في وسعه، ولذلك لابد أن يتوقف قليلاً حتى يعيد صلته مع بقية أجناس الأدب، حتى يعود مرة أخرى وقد تجددت ذائقته بشوق ورغبة. أما بالنسبة لافتراض العلاقة الميكافلية فلا أظن أبداً ذلك، لأن الباحث يختار موضوعه بكامل الرغبة غالباً ويعيش معه سنوات يقاسمه فيها البحث حياته، فتصبح هنالك نوع من العاطفة والمحبة الممزوجة بالتعود. وبالنسبة للضعف الذي تعانيه الرواية فهذا أمر طبيعي في ظل زخم التأليف الروائي الحاصل في السنوات الأخيرة، وكما هو معروف أن الأفضلية غالباً أقلية وليس كل من كتب رواية روائي ولا مبدع، ولا كل رواية تستحق القراءة.

أ. محمد البشير/ ناقد وقاص

ما زلت أزعم أن نسبة ليست باليسيرة -لا أملك إحصائية في ذلك- آخر عهدها بالكتاب من المعلمين؛ آخر كتاب تخرج به ليكون معلما، وعلى ذلك قِس في التعليم الجامعي، فعدد من الباحثين لو رصدت حركته البحثية لم تزد بحثا واحدا عن رسائله العلمية وبحوث الترقي، فالأمر مرهون لديه بالمردود على مسيرته (الوظيفية)، وهنا تكمن المشكلة حين يكون العلم وظيفة لا هما، وهذا ما يميز أستاذا عن آخر، فعدد الباحثين المشتغلين في الرواية كما ذكرت آخر عهدهم بالرواية ما دخل نطاق بحثهم، ولا يخفى أن الرواية في تصاعد إنتاجي، وتحتاج إلى أضعاف المشتغلين المهتمين الذين يَرَوْن البحث هما ثقافيا يطاردونه بحثا وندوات وصحافة، فلا يقل جانب عن آخر، فكل الحقول البحثية طويلها وقصيرها نافع لشرائح مختلفة من المتلقين، وكل يأخذ ما يناسبه سواء كان باحثا أو روائيا أو حتى قارئا لا شأن له. أما الرأي بضعف الرواية السعودية والقطيعة معها لذاك السبب، فالأمر صحيح لو رأينا من الباحثين انصرافا عن الرواية السعودية إلى غيرها بحثيا، ولكن الأمر ليس كذلك، فمن توقف عقم ولم ينتج دراسة لا عن رواية سعودية ولا حتى عالمية. ولا يخفى على مثلك أن البحث في الرواية تحديدا مضن، ويحتاج إلى نفس طويل، فحسبك بقراءة الرواية وطولها أحيانا، فضلا عن دراستها التي تحتاج غالبا إلى تكرار قراءة وتفحص لمن كان جادا. وذلك ليس باليسير على كل باحث، ما لم يكن حاملا هم الرواية السعودية وتجويدها.

السبت 23 رجب 1437 هـ – 30 ابريل 2016م – العدد 17477

http://www.alriyadh.com/1151395

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق