التقاريرالحواراتالدراسات

قراءة نقدية في رواية (القارورة ) ليوسف المحيميد

محمد الدبيسي

يوسف المحيميد
يوسف المحيميد

فيما تمكن يوسف المحيميد في (فخاخ الرائحة) من استيفاء عناصر المكان الوراثي.. والاعتضاء بمعطياته في تجسيد الدلالة السردية، وإلحاحها على مقومات الفضاء المكاني لمد الحركة السردية بآفاق تكونها وتجليها، وعبر شخصيات مستلة من الهامش الاعتباري للحياة، تستعاد في حركة السرد تمكيناً فنياً ورؤيوياً لإنسانيتها، واستجلاء لمكامن توترها الاجتماعي، في ترابط ونظام سردي متقن.. يأنس لاشتراطات التلقي، ومساحة استيعاب الذائقة، لتجربة حققت نجاحها الإبداعي ومعيارها الفني مستوفية شروط الرؤية الروائية، بوصفها موازاة جمالية تحقق عبر اللغة والحدث والشخصيات والحوار والمخيلة الجمالية، نسقاً يساهم في التعبير عن تجليات الكتابة، في توظيف سياقات الحوار والدلالة الفنية، لإثراء المشهد النصي، والتنويع في مسارات الحدث، وتنامي حضور الشخصية وكشف تداخلات علاقتها بالواقع وبناه، في حركة ارتدادية، تنبثق إشاراتها السردية الأولى في الطبيعة الشكلية لحضور (البطل) وتوالي تشكيل ذلك الحضور في فصول حياة متوترة، تتقاطعها المفاجآت القدرية..! زراعة في ابتدائها ذلك، سؤال إشكالي، لا تظهر إجابته إلا في السطور الأخيرة من الحكاية..؟

وفي الحبكة التي استنطق الروائي إمكاناتها، على نحو يؤصل رؤيته السردية، وتمكنه من خيوطها، محققاً من خلالها منجزاً فنياً تجلى في استظهار العناصر المضمرة في النسيج الاجتماعي المتعدد النماذج، والإفضاء بالمحددات العامة للمنظومة الثقافية والاجتماعية للمكان في هذا النص.

أسوق هذا المهاد الاسترجاعي لفحوى ذلك (العمل) ورؤية الكاتب من خلاله.. وأنا أقلب الصفحة الأخيرة من رواية المحيميد الجديدة (القارورة) (المركز الثقافي العربي 2004م).

التي بعث أولى إشارتها الرمزية في مقولة نيتشه (الحب وسيلته الحرب، وخلفيته العميقة، الحقد القاتل الذي يكنه كل جنس للآخر) ص7.

وفي تواتر دلالة (القارورة) التي ارتسمت كتابة وتشكيلاً على غلاف الرواية محتلة (25%) من الفضاء البصري للغلاف بلون قاتم.. يتوسطه (طائراً أبيض في حالة تحليق..) لتتشكل بدءاً دلالة النص الموازي التي تنزع إليها الإشارة الرمزية للقارورة في وجدان التلقي، ويكشف عنها النص الروائي في صيغ وألوان متعددة..!

ربما لا تلوذ بالمعنى الإيحائي للقارورة كخزائن أسرار حياة، وتجليات ثقافة مكان، يطبق الصمت والسكوت الملزم على كثير من قضاياه..!

(المحيميد).. يراكم متواليات تجربته بحرص على طرق البنى الإشكالية في الواقع الاجتماعي، بما يعبر عن تطور نوعي في تجربته يتبدى في بنى المكان، وما يروق لخطه الفكري، وأدوات مقدرته السردية..! ففي العتبة النصية الأولى (القارورة) (لفظاً ورسماً) موازاة لتواتر إيحاء، يسعى النص لاسترفاقها واستثمار دلالاتها، كحالات يستدعيها المتن الروائي الذي تتموضع تيمة (الحب).. عنصراً بارزاً فيه.. ومواجهة لإحالاته النصية، وتمركزاتها في فضاء النص المرصود بتقنية التقاط واعية..!

(فمنيرة الساهي) البطلة.. المرأة المثقفة والكاتبة الصحافية والاخصائية الاجتماعية.. التي تقاربها الرواية من منظور مختلف، غير ما أسست وجودها فيه الكتابة، (الصحافة) لتلين للممارسة الإنسانية (الحب) ليس كقضية محتمة، وإنما كحالة شعور وجداني يستفزه الجندي (حسن العاصي) ليؤسس من خلاله مشهداً وجدانياً، لا يتماس بشكل مقنع مع مرجعيتها الثقافية.. إذا ما سلمنا بمقولة (ريكور) (إن شخصيات المسرح والرواية هي كائنات إنسانية مثلنا)..؟

(حسن العاصي).. الجندي المراسل.. يصيره النص الروائي متحدثاً لبقاً ومحاوراً بارعاً..؟

لا تفضي به مرجعيته الاجتماعية والوظيفية إلى هذا المستوى من الصياغة النظرية المبهرة التي يسوقها الحوار النصي في الرواية..؟

فالصياغة النظرية لرؤية (حسن العاصي).. تكشف عن محاور ذكي، مؤسس على أفكار تقدمية ومواقف انفتاحية باتجاه الآخر..! يستثمرها النص في بنية الحوار، عبر وصف سجالي، لا تدعمه ظروف نشأة ذلك الجندي ..! ولا حقيقة موقفه المرتهنة بداهة لتلك الظروف، وتلك الطبيعة الوظيفية في وصفها الشكلي.

(حسن العاصي) الذي يصله الصنيع السردي.. بميزة الساهي، من خلال حلقة (الرائد صالح الساهي) الذي يعمل لديه، وهنا تتمظهر تفاصيل العلاقة بينهما كقيمة وصيغة محصنة مرتبطة بواقع الحدث الروائي، ولكن غير متماسكة معه كناتج جدلي..؟

فعلاقة الجندي بالضابط.. وإن انتصبت كحالة تراتبية، مرتهنة لإلزامات وصفها الوظيفي تصل حداً في النص الروائي يمتهن فيه إنسانية الجندي بركلة يسددها الضابط إليه..؟

هذه العلاقة الإشكالية في بيئة عملية، تبدو متماسكة كأحداث وحوارات، تعبر عنها المشاهد بدقة ولكن بانحصاره واحتقانه بحسب التعبير السردي ذلك، بما يتجاوز الإطار النفسي الطبيعي لتلك العلاقة..؟

ليلي ذلك المشهد بؤرة التوتر الحدثي علاقة (منيرة بحسن) وعمق العاطفة الإنسانية المجردة، التي لم تكن بحاجة لعلة سببية التي يجذرها النص..؟

(منيرة الساهي) المرأة الواعية.. تلتزم مناخات حوارها بحسن، وشذرات العلاقة به التي كان أول مداميكها، تفتحه العقلي ومرجعيته الثقافية، وانشداد منيرة العاطفي لرجل بهذه المقومات، بما يناقض الواقعية التي يعرفها (فرتز شول) (بالموضوعية في التصوير المرآتي والفني والواقع) ليس في وثوقية الحدث ووجاهته وإنما بالرؤية السردية ومعالجاتها الفنية.

وهنا.. يبدو المنحى الحدثي مقنعاً في مستواه الحواري، دون مرجعياته ومعطياته الواقعية..؟

فالهيئة الوظيفية التي ينتمي إلى منظومتها (صالح وحسن)، محكومة بتراتب معين وباشتراطات وآداب ومسلكيات مهنية حادة، أراد الكاتب، إجلاء بعض مظهراتها، وما تفضي إليه صرامتها التعاملية من مواقف؟ ولكن ليس بالمآل اللامنطقي الذي يفرز شخصية (حسن)..؟

إن هذه الإشكالية المأزقية التي ربما أراها وجيهة في النص، ترتهن لإقرار نظري نقدي يحدده (تودوروف) عندما يتحدث عن التأويل، الذي يراه (محكوماً بشرطين:

1 مبدأ الوجاهة Petinencd وهو المبدأ المبرر لوجود كل نص، أما إذا لم يكن النص خاضعاً لمبدأ الوجاهة هذا.. فإن المتلقي يبحث عنها عبر تحويلات معنية..

2 إشارات نصية داعية إلى التأويل سواء كانت تلك الإشارات تأليفية أو استبدالية..) إن هذين الشرطين بحسب فريد الزاهي (ينبعان من العلاقة بين المتلقي والنص. ويفترضان أن ثمة ما يقبل التأويل الرمزي وما لا يقبله في النسيج النصي). ومبدأ الوجاهة.. الذي يسوق له (تودروف) سياقاً تفسيرياً يشير فيه إلى الموضوعية في التعاطي الكتابي..؟

والذي يشكل علي كمتلقي لإشكالية هذه (العلاقة) التي يصورها النص الروائي، ويحشد (حسن) لها إشارات نصية، وقدرات ذاتية، في أحد طرفيها، تنزع للتشفي والانتقام، الذي يقارب مجازياً عدم الوجاهة في استرفاق طبيعة علاقة عاطفية تجمع وبمبررات سردية وحوارية، على قطف وجدانية (الحب كعلاقة اقتناعية من لدن (منيرة بحسن) والأخير هو الإشكال الموضوعي، الذي يجد المتلقي في مرجعيته النصية عدمية وجاهة في إقحامه بلغة حوار ثقافي، تنم عن وعي متجاوز لمرجعيته الموضوعية، كما يعرضها النص، ويفارق بها كناتج للمرجعية النصية ذاتها..!

وهو ما يصطدم بمسألة التأويل التي لا تجد لها في النص سنداً موضوعياً يحدد اتجاهها..!

فالمخطط الحركي للكتابة كما يحدده (برجسون) تواقيت رؤى إلزامية تعتمل في ذاكرة الكاتب، ليعيد إنتاجها بالكتابة، ويبدو هذا المخطط ملتبساً في إشكالية أفكار وموقف (حسن).

ومنظومة الوصف الوظيفي (لحسن وصالح) من موقعها في واقع التعامل بينهما، لا يؤول إلى اصطفاء (حسن) كمعادل لعلاقة عاطفية تربطه بمنيرة..!

(منيرة) العلامة البارزة في النص الروائي، كامرأة مقهورة تعاني فراغاً أسرياً وإحساساً ممضاً بانعدام قيمة ذاتها في محيطها الصغير..! ويبرر لها وضعها الثقافي، وقناعاتها القيسية، ممارسة حقها الإنساني، في ممارسة أجادت اللغة الروائية تجسيدها..!

ممارسة تبدو كحالة هروب من ذلك الوضع الأسري، وتنفيس شعوري يعيد إليها الثقة بذاتها.. في إطار علاقة تصادمية بالمكان، ومحاولة الخروج من أطره الاجتماعية، المضادة بطبيعتها مع القناعة الذاتية لها..؟

ومرجعيتها الوظيفية، كأخصائية اجتماعية وما يوفره ذلك الرصيد من خبرات حياتية وإنسانية لم يكفل لها.. أن تكون منخدعة.. لا مخدوعة..؟ في اللعبة السردية..؟

منخدعة في حالة (حب).. تتساهي فيها، بالرغم من انفلاتها العضوي من الكل الاجتماعي، والنهاية التراجيدية التي تظفر بها من هكذا علاقة..؟

لتنكسر (القارورة) .. بفعل ارتدادي، يعيد ضمنياً الدلالة الرمزية للعتبة النصية للعنوان كنص موازٍ! لم يفت على الكاتب استثمارها دلالياً، في تقديم تفصيلي على لسان منيرة ذاتها:

(قامت جدتي وأخرجت من خزانتها قارورة كبيرة على حوافها نقوش هندية.. وحروف غير مفهومة بلون فضي لامع.. احتفظت بالقارورة كي أملأها بأسراري وكانت أغلى صديقة وحافظة للسر وكنت أودع فيها كل ما يمر بي، وأفضي لها بكل همومي ومشاكلي) ص 2122..

فهذا الاستثمار الفني، للدلالات الرمزية للقارورة، التي يفك النص رمزيتها، تتضافر مع المحددات القيمية لشخصية (منيرة) لإثراء المضمون النصي الحدثي.. في محور البطلة، التي تنحني لمقتضيات الحالة الوجدانية (الحب) بإرهاصاتها وتفاصيلها التي حققها النص، كما لو لم تكن شخصية أنثوية بتلك المقومات الثقافية والنفسية..!

المكان:

يتمظهر المكان كأحيزة محددة بوصف سردي، لا يتكلف الإلحاح على تسميته بالرغم من استجلاء مشهده الاجتماعي ونظامه التعاملي، وبروز الشخصيات كمواقف تؤكده وتشير إليه كمكان مغلق.. وينزع الكاتب إلى الإمساك بخيوط السرد عبر علاقات حوارية، يفسر من خلالها أحيزة تكتنفها الفوضى ووطأة المسكون عنه..؟

في تجذير لذلك المسكوت السكوني، كحالة استتار تلف مجتمعاً يحوي حواراً اجتماعياً حاداً ومتوتراً ويبرز عبر العلاقة الهاتفية بين (منيرة وحسن) كآلية تلاقي وتواصل يكتنفها الانغلاق والتخفي..؟ تحت وطأة موروث جماعي لثقافة التقاليد والرقابات الصارمة..!

وهو ما بررته اللغة السردية، بصياغة تستجمع طاقاتها المباشرة والإيحائية بأسلوب تفصيلي لا يقدم المكان التجريدي، وإنما المحتوى المعبر عن معالمه ومناخاته (بينما هدرت محركات حافلات البلدة عبر طريق العليا بسائقيها البدو ذوي الشوارب الكثة، والشمغ الحمراء فوق أكتافهم، والطواقي المتسخة المائلة، أما أفران الخبازين الأفغان، فقد ضجت عند تقاطر العمال الباكستانيين والهنود بدراجاتهم الهوائية المزينة بورود صناعية، وهم ينسلون من الطرقات الضيقة، وشوارع الحارات الجديدة، بينما هبط من غرفهن العلوية في السطوح الخادمات الاندونيسيات والفلبينيات يمسحن ألواح رخام الروز البادرة، ويدعكن بالمناشف لمعة درابزين الاستنلس ستيل، ومن غرف سفلية يعلو صوت عبدالباسط عبدالصمد من أجهزة الراديو لدى الجدات النجديات.. وهن يسبحن منتظرات تسلل رائحة القهوة المبهرة بالهيل إذ تتقنها الطاهيات السيرلنكيات) ص9..

لتبدو البنية الجمالية للمكان متوالية.. عبر الوصف والحوار، في بعد إشاري إلى سلبية الكائن الأصلي في المكان، المتواري عن الفعل الحياتي الحيوي والبسيط..! في تفاصيل وإشكالات اجتماعية وهموم ذاتية ومآزق علاقات حوار وتواصل وتفاهم عقلاني، يستنطق النص أغوارها.. وترامياتها النفسية..!

المكان المغلق هنا.. كما لو كان مشهداً تخترقه انتقادات البطلة، التي ترزح تحت وطأة التهميش بحسب السياق الروائي، في مشهد تعبر فيه عن ما تظنه دفاعاً عن حقها الوجودي، المؤطر إلزاماً نصياً في أحداث اجتماعية كقيادة المرأة للسيارة، وحقها في العمل، وهي إشارات تتراح إلى إضاءة المكان الروائي ومحفل أحداثه..!

المصدر
جريدة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق