الدراسات

نساء تقذفهن امواج البحر، ويتجذرن في الصحراء

في رواية البحريات لأميمة الخميس:

الرياض/ طامي السميري

عندما تفرغ من قراءة رواية «البحريات» لأميمة الخميس الصادرة حديثاً عن دار المدى ستجد صورة الأخر حاضرة في الرواية هذه الصورة تتمثل في حكاية بهيجة، رحاب، سعاد، نساء قذفتهن أمواج البحر إلى قلب الجزيرة العربية، وإن كن اجتمعن في مكان واحد، وعاشوا مع وجوه متشابهة لكن لكل واحدة منهن حكاية لا تشبه الأخرى، ولا تكتفي أميمة بتقديم تلك النماذج بل تضيف إليها نماذج نسوية أخرى فهناك «مريما» الحبشية، «انغريد» الألمانية، وفيما عدا الشخصية الأخيرة، نرى كيف تم انصهار تلك الشخصيات في واقع جديد.

ظل ذلك الواقع يمثل لبهيجة وطناً لم تعرف ذاكرتها الصغيرة غيره، ومثل لرحاب وطناً بديلاً تبحث فيه عن آمال وطموحات جديدة، تنسيها خيبتها من «علي» الذي سافر إلى أمريكا وتركها وحيدة في بيروت ترقب تذكرة السفر لتلحق به أما سعاد فهي نتاج إحدى نزوات «سعد» احضرها بدواعي تحسين النسل ومآرب أخرى ظن أنه سيجدها في هذه البحرية، البحريات وما لديهن من مزايا انثوية عاشوا الصراع خلف الأسوار مع الرجال والنساء الصحراويات.

أم صالح كانت ابرز تلك الوجوه النسائية الصحراوية، «أم صالح صامتة عجفاء كشجرة صحراوية هرمة، ناشفة كالجدار الطيني الذي توكأ رأسها كل صباح في انتظار رجوع أبو صالح» هي الشخصية القوية الذي عرف أبو صالح كيف يهادنها فمنحها سلطات تستطيع بها أن تدير بيت «آل معبل»، البيت الممتلئ بالرجال، النساء، الأطفال، الخدم، لكن تلك السلطة لم تمنحها راحة البال فأخذ تدبر الحيل النفسية لتستعيد أبو صالح كانت تقول عندما يتم حصارها بالأسئلة وهي ترى أبو صالح يكثر من النساء «جعل ما يخاشرني فيه إلا الحريم».

لم تكن تلك المرأة القوية هي التي فقط تذوقت هجر الزوج فهناك «موضي» المرأة الضعيفة التي انهزمت بضعف أمام مزايا بهيجة، واستكانت لضعفها، ولم يتم انقاذها نفسياً إلا عندما رأت ابنتها البندري تتميز بجمالها، فأخذت تتعهد ذلك الجمال بالعناية لكي تثبت أنها تفوقت وأن جمال البندري سوف يساوي بينها وبين بهيجة التي انجبت سبعة ذكور منحها تفوقاً خالصاً لدى صالح.

الرواية محتشدة بالشخصيات، لكن استطاعت اميمة الخميس أن ترسم الشخصيات باتقان وأن تمنح كل شخصية خصوصيتها، الرواية تضج بالتفاصيل الصغيرة بالصراعات النسوية، بعلاقة الرجل مع المرأة، بالتحولات التي طرأت علي الرياض، وكيف تناغمت تلك الأسرة الكبيرة مع تلك التحولات.

رواية «البحريات» قدمت وجهاً آخر للرياض، ففي بيت «آل معبل» الأسرة الغنية التي كانت بمأمن إلى حد كبير من هواجيس الفقر، الحاجة، إلا أنها تقف عاجزة عن صد الموت الذي يتخطف الأطفال، في ذلك البيت يتشكل المكان، وتبرز الشخصيات، في طريقة حياتهم، اخلاقهم، مأكلهم، ومشربهم، ويبرز الصراع الخفي الذي لا يظهر إلا في الغرف، أنه المكان الذي يسمح للعلاقة بين الرجل والمرأة، فصالح كان يخشى أن يتم ضبطه وهو يغازل زوجته بهيجة، التي اطاحت بموضي واستأثرت بقلبه.

الرواية كانت ترصد حالة الارتباك لدى آل معبل مع المعطيات الجديدة في المجتمع، فعندما بدأ التعليم النظامي للمرأة، تم احضار المعلمة رحاب إلى المنزل لتعليم بنات الأسرة بدلاً من أن يذهبن إلى المدرسة، كان حلاً مثالياً للتعايش مع هذا الطارئ الذي كان يهز المجتمع ويجعل المواقف متابينة كان المستفيد من تعليم بنات آل معبل في المنزل هو «عمر الحضرمي» هو الذي تولى توصيل رحاب في مشوراها اليومي، الذي توله وكتم حبا لرحاب زمنا طويلاً، ولم ينته ذلك العشق الحضرمي حتى جاءته رحاب ذات احتياج لتسأله: عمر.. بدك تتزوجني؟؟

تقول موضي يحنق: «كلش يجي منها، شامية ابليس كلش يجي منها»، هذه العبارة تكشف الصورة الذهنية التي تحملها موضي والأخريات من نساء البيت تجاه بهيجة، لكن بهيجة لم تحفل بتلك المواقف تجاهها، كانت صامدة وتعرف كيف تهادن الظروف لتظفر بقلب صالح، وتمنحه الدلال والأطفال، بهيجة لم تكن رقيقة ولم تكن تحفل بالمعوقات التي تشعرها بأنها كائن غريب، رفضت ان تنصاع للقوانين الصارمة للمجتمع النجدي، ولقوانين أم صالح التي تبتدع قوانينها الخاصة لتفرض سطوتها في المنزل.

في الرواية نجد علاقة الآخر بالآخر ليست على وفاق تماما، فإن كانت بهيجة استطاعت اقناع صالح بزيارة «انغريد» الألمانية التي تسكن مع الخبراء الألمان في طرف نخل آل معبل، كانت ترى في تلك الزيارة مكان آخر، مكان مفتوح لأن تلتئم بذاتها المسروقة، وبعد أن سكنت الألفة مع انغريد، كانت «مريما» الحبشية ترافقها تلك الزيارات، مريما التي كانت على ود مع بهيجة، ويتشاركا في صنع الحلوى والفطائر، لكن اللوحة الخشبية التي كانت تحمل صورة رجلاً وسيماً تسيل الدماء منه تلك الصورة فضحت سر «مريما» التي خبأته عن الجميع زمن طويلاً.

ووشت بديانتها التي لم يسألها عنها أحد، (لا أحد يفكر بالسؤال عن ديانة الجواري)، هذا السر الذي انكشف جعل «مريما» ترتاب من بهيجة وخافت أن تفضحها فهربت منها وقطعت الوصل معها لتظل الريبة حاضرة وتنقطع الألفة التي جمعتهما.

كذلك اتخذت بهيجة موقفاً صارماً مع سعاد البحرية التي قدمت في وقت متأخر للعائلة ولتصبح زوجة سعد فهي تتجاوز وصايتها إلى إلقاء الاوامر وتوبخيها لطريقتها الخرقاء المتساهلة في أحكام العباءة، تفعل مع سعاد كما كانت أم صالح تفعل معها، مما جعل أم صالح تتهكم بسخرية وهي تقول: نسينا ايام نزع الثياب والشيلة في السطح والرقص على قرع التنك في بيت النخل؟

لكن سعاد تتجاهل وتتروى وتختار لحياتها طريقاً مختلفاً، تبدد خيبتها في زواجها من سعد هو رجل الأعمال الفاشل الذي لا يشبه اخاه صالح المتدله دوماً إلى بهيجة «سعد» هو اليساري الذي انضم لتلك الشلة التي تمارس الشرب والشتم وتقتات السياسة في إحدى شقق «العطايف» فهو حتى لا يفقد تلك الشلة وما توفره له من أجواء صاخبة، قرأ بشكل اعتباطي لماركس واخرون ليصبح مسخاً يساريا، وعندما تزوج سعاد لم يكن يرغب سوى امرأة تمنحه ملامح الليالي الحمراء، لكن سعاد ترفض هذا الدور وتتروي في صومعتها حتى جاء صوت متعب ليضيء لها في تلك العتمة، متعب المثقف الذي عاد من بريطانيا اوهمها انه مختلف عن الرجال الصحراويين الذين يتعاملون بخلافة مع النساء، لكن بعد أن تثمل من كأسه في الليالي الجافة يخذلها ويدفعها إلى البكاء المر على غيابه متعب خطيئتها التي لم يعرفها سوى خادمتها الهندية التي كانت ترقبها دوماً عن بعد.

سعاد ربما هي الشخصية المركبة في الرواية، وهي الأكثر تعقيداً، فهي الزوجة التي تخون، وهي التي تزوجها زوجها لأنها تسمح له بالشراب وهي الزوجة التي عندما تذهب إلى الشام لا تجد من أهلها سوى تشمم الحقائب وماذا جلبت لهم من الهدايا الثمنية، هي التي امضت ليالي رمضان تصلي وتدعو ربها بأن يعود لها «متعب» ثم تستبدل تلك الصلوات إلى الموسيقى، تلجأ إليها كحيلة روحانية تدوايها نفسياً ثم ما تلبث أن تسلم بأن متعب انحاز لزوجته المتعلمة التي تعلمت في لندن وتبحث عن وظيفة نسائية قيادية في البلد بعيداً عن وظيفة المعلمة الوظيفة التقليدية قال لها متعب بعد أن قامت بزيارة زوجته وبعد أن هجرها زمناً طويلاً وبصوته المتخشب: كنت احسبك امرأة عاقلة ما دريت انك مثل البزران، تلبسين العباءة وتسيرين على زوجتي، على كل حال أنت من غير مطرود غير مرحب بك هنا»

من البيت الطيني إلى البيت الاسمنتي في الملز لم يتغير ولم يطرأ شيء مختلف على آل معبل، سوى المظاهر الشكلانية، كالأثاث الإيطالي، السيارات واكسورات الحياة التي جاءت بفعل الطفرة فالنساء ما زال عليهن الانتظار ليأكلون بعد الرجال، ما زال صالح يهاب محادثة زوجته أمام العائلة بل أن صالح يقوم بتخيير موضي لحظة تقسيم البيت بين أن يطلقها أو تعفيه من ليلتها فتختار «موضي» الحل الثاني ليصبح لها جناح صغير منفصل اختارته ملحقاً، قريباً من بيت عمتها أم صالح: لأن صالح لن يزورها فيه بعد أن سامحته بليلتها، كذلك ذهب خوف الناس من مدارس البنات، فلم تعد الفتيات من المدارس وقد فقدن بكارتهن، كل ما في الأمر أن الفتيات يكتبن رسائل حب لعشاقهن.

الرواية تضج بالشخصيات المتابينة، لا أحد يشبه أحداً، وإن كانت البحريات محور الرواية إلا أن الشخصيات الهامشية في الرواية أيضاً لعبت دوراً هاماً في السرد، حضرت بعمق فحضورها يلتحم بالعمل وبذلك ضعفت بصمتها في الرواية، كعمر الحضرمي، متعب، موضي، مريما، قماشة.

وكل الشخصيات حضرت بكل تناقضاتها، ضعفها، وقوتها، والرواية تقاطعت كثيراً مع مدن الملح، كذلك تقاطعت مع رواية مسك الغزال، لكن برؤية مختلفة فهناك فرق كبير أن تكتب من داخل المكان وأن تكتب من خارجه.. فإن كانت مدن الملح غيبت حضور المرأة وكانت رواية ذكورية، نجد في رواية «البحريات» رواية نسوية تضج بالنساء، فالمرأة هي الشخصية الفاعلة في الرواية، وأميمة الخميس كتبت من الداخل واتقنت كيف يكون الصراع بين ثقافتين أو أكثر من ثقافة كما يحدث في الرواية خلال موائد العائلة الممدودة في شهر رمضان حيث يكون الأكل من الشام، شرق آسيا، الحبشة، بلاد فارس، هذا التنوع في الطعام يعكس الثقافات التي تعايشت في الرواية، انسجمت وتوجعت وكان الصراع وكان الوفاق في ظل مهارة سردية من الكاتبة، البحريات وغيرهن من الشخصيات النسائية في الرواية لا تظهر ملامحهن كضحايا أو أن لديهن حالة تذمر من التسلط الذكوري، بل إن الأمر يبدو مألوفاً جداً، فابو صالح يعدد من النساء كما يشاء، ابناؤه كذلك، انسجام النساء مع ادوراهن السلبية في الحياة كان واضحاً وما تبني بهيجة لوصايا أم صالح وممارستها بحق سعاد إلا دلالة على انسجام البحرية مع شروط المكان لكن هذا الرضا السلبي قد يكون ملائماً للمجتمع قبل ظهور الطفرة وقبل أن تتضح ملامح الحياة الحديثة، ولكن بعد تعليم المرأة وظهور آثار النفط، تبدلت الأدوار، واضيفت ملامح أخرى للحياة فظهر الارتباك وما عادت الرياض هي الرياض، شيء ما تبدل فيها كما يقول إبراهيم الخضير في روايته عودة الأيام الأولى، فغابت ملامح أبو دحيم وبناته السبع الذين اختفوا في ظروف غامضة، كانوا يمثلون رعباً حقيقاً لآل معبل فذلك الاختفاء الغامض جعل أبو دحيم وبناته حكايات اسطورية واصحبوا في مصاف الجن مما جعل الجميع في الليل يحدس بوجودهن، عندما تمت اضاءة الرياض بالكهرباء خبت المخاوف من بنات أبو دحيم وبدأ الخوف له ملامح أخرى تمثل في عوالم الملز، إنه خوف التغيير الذي يداهم أي مجتمع.

أعتقد أن الرواية كتبت لتسكن الذاكرة وأن التفاصيل المبثوثة خلال السرد سوف تنعش ذاكرة من يقرأ رواية « البحريات» تأخرت اميمة الخميس في تسجيل حضورها الروائي ولكن بهذا الحضور المدهش سوف تمنحنا زمناً طويلاً من التغني برواية عميقة وآسرة بتفاصيلها وبعوالمها التي تضج بالحياة.

الخميس 23 صفر 1427هـ – 23 مارس 2006م – العدد 13786

اميمة الخميس

المصدر
جريدة الرياض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق