تحقيقات

سرّ الرواية السعودية

يرى بعض النقاد والمتابعين للحراك الروائي الشبابي الذي شهدته المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، أن هذا الحراك يطرح جملة من الأسئلة حول جدية الكتابة الروائية لدى الروائيين الشباب، وربما يذهب بعضهم إلى أن كثيراً من هذه الروايات لا تتوفر على شرط الكتابة التي تجعلها تستحق هذه التسمية، وأن هناك نوعاً من الاستسهال يشابه ما حدث عربياً على صعيد كتابة الرواية التي شهدت مؤخراً طفرة عربية، بحيث جعلت القول: إن الرواية هي ديوان العرب شبه لازمة فكرية وثقافية تتردد في المحاضرات والندوات ومعارض الكتب وغيرها من الأنشطة الثقافية هنا وهناك…

في المقابل، يعتقد آخرون أن هذا الزخم النشري والاندفاع لكتابة الرواية لدى الشباب ظاهرة صحية، وأن من شأنها أن ترفد الساحة الثقافية، ليس في السعودية فحسب بل في الساحة العربية أيضاً، بأسماء روائية مهمة، ويستدلون على ذلك بحصول روايات سعودية على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» وجوائز أخرى، ما من شأنه أن يحفز الكتاب الشباب ويفتح شهيتهم للكتابة…
في هذا التحقيق نستقصي هذه القضية لدى طرفيها: كتاب الرواية ونقادها، فماذا قالوا؟

تجيب الروائية رحاب أبو زيد على سؤال حول ما إذا كانت الروايات الجديدة تتوفر على الشرط الروائي فنياً بالقول: «لا يجب إطلاق الأحكام العامة والمعمّمة لتجربة أو لكاتب على مشهد بأكمله، إنما يمكن التصدي لمحاولة التمظهر وصناعة ظاهرة لا وجود لها، ويمكن إعلان رفض جماعي لتسيّد مستوى أقل من المتوسط في الأدب وغيره. بالمقابل، ليس ضرورياً أن تتوفر الشروط الروائية الرئيسة والفرعية بالكامل في عمل أدبي ناجح، والتي تتفاوت من عمل لآخر بحيث يصبح إغفال عناصر روائية معينة مقبولاً ومغفوراً في عمل وليس مغفوراً في عمل آخر، والسبب أن العمل الأول اشتغل صاحبه على جانب وأبدع فيه بينما افتقر العمل الثاني لمقوّمات بدائية جداً للإبداع أو حتى لسلامة اللغة، وهنا لا نغفل أن تحديد سمات النجاح للشباب والقرّاء الجدد من أهم الخطوات التي يجب التركيز عليها إعلامياً وثقافياً، وهذا هو دور الفقهاء في الأدب والمتبحرين فيه والعالمين بأحواله، فحين تُستبعد كل التصنيفات العرقية أو السياسية أو الأصولية من تقييم الأعمال الأدبية في بادئ الأمر، سيثق الشباب والمتلقون في أحكامنا وفي القراءات النقدية وفي الجوائز السنوية الكبرى».

وترى أبوزيد أن الاندفاع لكتابة الرواية حاليًا في السعودية هو ظاهرة صحية، وتضيف: «لا يقلقني عدد الإصدارات السنوية أو تضخم الإنتاج الروائي في السعودية مطلقاً، فتلك ظاهرة صحية وتعكس اتجاهاً جاداً نحو إعادة الأمور إلى نصابها في الوسط المجتمعي وما يتعلق باهتمامات الناس، فمن الواضح ارتفاع صوت المزاعم والمحاولات المتعمدة للتسطيح سواءً من خلال بعض البرامج الفضائية أو الفعاليات التي لا تصب في نهر الثقافة أو المعرفة، وللأسف، هناك بعض الأعمال الروائية التي تدعم هذا الاتجاه، ويفرد لها الإعلام مساحة عريضة من أغلفة المجلات والعناوين الرئيسة واللقاءات في المحافل والبرامج، من هنا، إذا تأملنا عملية الإرسال والاستقبال، نجد أن الوصول للمتلقي ليس من بين أولويات الكاتب، كما أن القارئ الحقيقي ليس مستهدفاً لدى بعض وسائل الإعلام المتخصصة في إشاعة التفاهة. من هنا يتبين أن الجماهيرية والشهرة السريعة والمادة كانت الهدف وليس بناء تاريخ روائي تتشرف به السعودية بعد أجيال! لذلك أنصح الشباب بالتعرف جيداً على ما يجب قراءته، وسوف يتمكنون من تمييز مستوى الكتاب من صفحاته الأولى، ثم سيكون لهم التقييم والحكم النهائي في تحديد مدة بقاء اسم من الأسماء على الساحة أو ونسيانه لأنه تسبب في خديعة الوسط والقيمة والمتلقي الحصيف».
وفي ما يتعلق بالأسباب التي تدفع الكاتب لاعتبار الرواية خياراً إبداعياً يمكنه الخوض فيه، فهي تعتبر أن «من يكتب الرواية– أو هكذا يجب أن يكون- يملك يقيناً بأن لديه ما يستحق أن يُروى، ناهيك عن محاولة التوسع في تأمل وتحليل الواقع أو المستقبل الغامض. أما النوع الآخر من الأعمال الروائية، الذي أحسب أنه يستهوي فئة عمرية محددة، وأعني به النوع الخيالي (الفانتازيا)، فنماذجه الروائية لا تتحدى كونها بحراً غزيراً من الأفكار الخيالية التي يهرب من خلالها الكاتب– ويتبعه القارئ– إلى عالم آخر وهمي لا وجود له، جرى صنعه من أجل الإمتاع، أو ربما تنبؤاً لما قد تصل إليه البشرية في المستقبل، أو لرسم مشهد واقعي بأدوات غير واقعية!
هذا النوع رائج كأفلام الخيال العلمي بالسينما، ولا أرى بأساً في ذلك وفي جميع الأنواع والحالات، يجب المحافظة على اتساق المستويين: اللغوي والفكري، وعلى وانسيابية الأحداث، ومن كان له ذلك فقد وُفّق لكتابة رواية خالدة قد سبقت أوانها».

الجيد قليل

يؤكد الروائي طاهر الزهراني أن «الكتابة أمرٌ صحي للغاية، على كل الأحوال، أما الطفرة الشبابية في كتابة الرواية فكما أن لها سلبياتها فلها فوائدها أيضاً، فهي تزيد من جرعة الجرأة، وتدفع بعض المبدعين بالتالي إلى أن يجرب، ويكتب، بعد أن كان متردداً»، ويتابع: «بالنسبة لي أرى أن الرواية السعودية مرت بمرحلة الطفرة، وأن هذه الطفرة بدأت تتلاشى، والبقاء سيكون للأفضل». ويعتقد الزهراني أن «الروايات السعودية الجيدة التي تصل إلى القارئ العربي هي روايات قليلة، وما يصل يتم تداوله حسب السماع، والتوصيات، والقراءات المنتشرة في الصحف العربية».

ويلمح إلى أن «الرواية السعودية مرت بنفس المراحل التي مرت بها روايات العالم، مرت بطور الضعف، واعترتها الآفات، وكتبها أناس لا علاقة لهم بالكتابة، ظناً منهم أنها أقصر الطرق للثراء او الشهرة وغير ذلك.. كل ذلك مضى وبقيت منه الأعمال الجيدة. وأظن أن الرواية السعودية تمر الآن بهذا الطور، إلا أن هناك أعمالاً مميزة كتبها أصحابها بفن وحرفية، واستفادوا من المنجز الروائي العربي والعالمي، وكانت لديهم الدربة والصبر والجلد على الاستمرارية والممارسة. ليس من المعقول أن نطالب روائيينا السعوديين بكتابة أعمال عظيمة وملاحم خالدة، نحن نطالبهم بالاستمرار في الكتابة والحرص على التفرد في الشكل والمضمون، ومتى وجد الكاتب أن العمل الذي كتبه له قيمة فنية وأدبية فليقبل على نشره، ثم يستفيد من الآراء والنقد. وبما أنني متابع للرواية السعودية، أعترف أن الجيد منها قليل، لكن حتى هذا القليل الجيد أهمل من قبل نقادنا، وهذا أمر محزن ومحبط، وأتمنى من بعض هؤلاء النقاد أن يلتزم الصمت في حال إذا سئل عن الرواية السعودية، أو يكتفي بالكلام عن ما مر عليه من الروايات التي صدرت قبل عقود.
والرواية السعودية، من وجهة نظري، لا تفتقر إلى الجانب المعرفي والفني، بل أشعر أنها تفتقر للتجربة!. الروائيون الذين يملكون تجربة حياتية لها انعكاساتها على السرد عمقا ومعنى، قلة للأسف، يأتي بعد ذلك الدربة والخبرة، وهذا طبيعي بما أننا حديثو عهد بالرواية».
ويتابع: «الرواية المحلية تعيش فوضى، وهذا أمر صحي بالنسبة لي، لأن هذه الفوضى مشجعة، ومحفزة لأن تخرج أعمالاً جيدة، وتخرج لنا كتاب رواية يبشرون بسرد متمكن وناضج، لهذا أرى أننا لو خرجنا من مئة رواية في العام برواية أو روايتين جيدتين، فهذا أمر جيد ويبعث على التفاؤل، هذا العدد الضئيل هو ما ينبغي علينا الاهتمام به، وتسليط الضوء عليه، حتى نسهم في خلق رواية، وظهور روائيين».
أما اختيار الرواية بالتحديد شكلاً من أشكال الكتابة الإبداعية، فهو، حسب الزهراني، أمر معقد نوعاً ما، هذا إذا تعاملنا مع الأدب كحالة إنسانية بعيدا عن آفات الكتابة، هو أشبه ما يكون بمعادلة كيميائية معقدة صعبة، تتفاعل عناصرها لتخرج لنا في النهاية رواية- ربما لم تكن في تصور كاتبها أحيانا منذ البدء – تلامس وجداننا، وتدهشنا فنا ومضمونا، وهنا لا قيمة للشروط والقواعد، وفي وقت أصبحنا نتعامل مع الأعمال الإبداعية بمرونة، تاركين للمبدع أن يختار طريقته الخاصة في الكتابة بعيداً عن التقنين والتقعيد، أتصور أننا في زمن لم تعد فيه الرواية الكلاسيكية تلبي رغباتنا وشغفنا، نريد أعمالاً روائية تكسر النمط، هذا زمن الرواية الحديثة، أو ما بعد حداثية».

الرواية تغري
للروائي السعودي احمد الدويحي رأي متفرد ومختلف حول مدى توفر الشرط الروائي في روايات الشباب، يوضح: »الرواية جنس أدبي شمولي رفيع، حضرت متأخرة في المملكة عن باقي الفنون الأدبية الشعر والقصة، وكانت تكتب بخجلٍ، وإذا صدرت رواية أو اثنتين في العام الواحد نحتفل بها لندرتها، وكان الحضور لسيد الفنون الشعر لقربه من الذائقة المجتمعية، ثم حضرت القصة القصيرة في نهاية العقود الأخيرة من القرن الماضي، وجاءت بكثافة لأنها تحمل نفس الخصائص من حيث التكثيف اللغوي، وبرع في كتابتها جيل كامل هم رموز الكتابة السردية، وكانت سمات خطابات تلك المرحلة تحمل صفات مشتركة، الغربة، وصدمة المدنية، والطبقية، والظلم، والضياع، والتشتت، وأوجاع مجتمعية، لكن الرواية فن شمولي يعني بالتحولات المجتمعية ويستقصي حالاتها ودوافعها، وتدخل في نسيجها أيضاً الفنون ومنها الشعر والقصة والأسطورة والتاريخي والديني والسياسي واليومي. الرواية فن شاسع يعنى بحركة النسيج المجتمعي ويغوص بين أبنية زمنية ومكانية، لينتج عالماً من خيال موازياً لعالم من الواقع».

ويضيف الدويحي: «وكما يقال: إن لكل زمان دولة ورجالا، فإن القول ينطبق تماماً على الفنون أيضاً. تتداول الحضور عبر الأزمنة المتنوعة، ويظل الشعر بالنسبة للفنون سيد الأجناس الأدبية يحضر في كل الأزمنة. الرواية هناك من يصفها الآن بأنها ديوان العرب المعاصر، وهذه صفة مبالغ فيها كثيراً وتهميش للفنون الأخرى. الرواية عالم شاسع وفن رفيع، ولكنها لا تستطيع أن تؤدي دور أي فن غير دورها، وأجد الآن في عصر التقنية الحديثة أن فن القصة القصيرة، أو ما يسمى (ق ق ج) قصة قصيرة جداً مناسب وشائع الآن لعصر التقنية، فهذا الفن الحديث يناسب عصر التويتر ووسائل التواصل المجتمعي الشبابية، فبكلمات معددة ومكثفة يمكن كتابة نص قصير جداً، وليس بالضرورة أن يكتبه كتاب متمرسون بل كل فئات الشعب، وهذا ما هو دارج الآن ويؤدي دوراً فعالاً».
ويعلن الدويحي: «أنا مع الكتابة الروائية بعد سن الأربعين، وشهدنا روائيين كبار على مستوى العالم وعرب أيضاً، كتبوا الرواية بعد سن الأربعين.. أنا شخصياً بدأت بعد هذا السن، وقد بدأت بكتابة القصة القصيرة مع جيلي وكنت أعلم أني يوماً سأكتب الرواية، فالقصة القصيرة فن سردي أيضاً والرواية تحتاج أن تكتمل التجربة والمعرفة بعد هذا السن. أنا أيضاً مع التجريب لكن الرواية فن رفيع ومغامرة شاسعة، تحتاج إلى خبرات حياتية ومعرفية وليست لعبة. مع ذلك، يصح القول أن البحث عن الشهرة ودخول التقنية الحديثة العالم الكتابي، ووجود دور نشر أجنبية تبحث عن الربح المالي بغض النظر عن القيمة الفنية والأدبية الرفيعة، أغرى جيلاً من الشباب وسهل لهم دخول هذا العالم عبر الثلاثي الشهير (التابو) الجنس والدين والسياسة، ولست ضد هذا فنحن نحتاج لكل الأنواع الكتابية كما نحتاج إلى فرز الغث من الثمين، ويلاحظ أن الظاهرة بدأت تنحسر في السنوات الأخيرة، وبدأ يقل حجم الإصدار الكثيف عبر معرض الكتاب عن ذي قبل».

الرواية ضمير العالم
لا أعرف بالتحديد ما هي الشروط الروائية، هكذا يردّ الروائي علوان السهيمي، ليضيف: «أكاد أجزم بأنه لا يمكن لإنسان ما أن يحدد بدقة كبيرة الشروط التي ينبغي أن تتوفر في رواية لكي يطلق عليها رواية، لكنني أيضا مدرك بأن الروايات السعودية، والتي قرأتها بالتحديد هي روايات، هي حكايات نقرأها، أما مسألة أن تعجبني رواية ما أو لا تعجبني فهذا مرده ليس للشروط الروائية إنما لذائقتي تجاه هذا النص أو ذاك. أعتقد أن الفن أعظم من أن يحصر في شروط تؤطره وتصنع من الأعمال الفنية والإبداعية قوالب جاهزة ومعلبة، الإبداع أكبر من ذلك بكثير، لأن الفن في النهاية ليس عملية رياضية أو فيزيائية ينبغي أن تسير وفق شروط ونقاط محددة، إن ميزة الفن أنه يدهشنا، ولا نعرف السبب الحقيقي وراء إندهاشنا ذاك، إنه مسألة غير منطقية على الإطلاق».

ويعتقد السهيمي أن الاندفاع الشبابي لكتابة الرواية هو «ظاهرة صحية تماما، وربما لو لم يكن هنالك كتابة، فسيكون المجتمع معتل بشكل أو بآخر، إن الكتابة هي التي تعطينا صورة على أن المجتمعات حيّة، تنقل صورة لهذه المجتمعات، أما مسألة هل ما ينتج جيد أم رديء فهذا أمر آخر مختلف تماما، لكن ينبغي أن نفرح جميعنا بكل هذا النتاج، لأن من هذا النتاج سيظهر لنا قلم جيد، شخصياً، لديّ يقين بأن الإنسان الموهوب، الذي يكتب الفن بشكل جميل، هو من سيبقى في النهاية، لأن أكبر ناقد للفن والإبداع هو الزمن، فالكتب التي تبقى وتستمر على مدار الزمن هي الكتب الإبداعية، أما الرديء فسيضمحل بمرور الزمن، مع أنني في النهاية لا اتصور بأن ما ينتج الآن هو طفرة روائية، وحتى في السنوات الخمس الماضية، لم يكن هناك طفرة روائية حقيقية، إنما كان هناك زيادة في معدل الإنتاج مقارنة بالسنوات الطويلة الماضية، لأنني لا أعتقد بأن 80 رواية في السنة تعد طفرة، إن هذا الرقم مقارنة بمجتمعات أخرى رقم بسيط جدا».
ويرد السهيمي أسباب كون الرواية خياراً للكتابة إلى أن «هناك ميزة توجد في الرواية وهي أنك تكتب بلا قيود، هي ليست مثل الشعر مثلا، الذي ينبغي أن تكتبه بطريقة معينة، أتصور بأن هذا هو سبب كبير وعملاق في أن يظهر عدد من الروائيين والروائيات في المجتمع السعودي، لكنني لا أستطيع أن أجزم بأن هذا هو السبب الحقيقي، فأنا كتبت الرواية لأنني اكتشفت بأنني أستطيع كتابة الرواية، أما الآخرين فلا أستطيع الجزم لماذا كتبوا الرواية. وأعتقد بأن الرواية هي ضمير هذا العالم، وينبغي أن تكون كذلك دائما».

تحول كمي وكيفي
الروائية وفاء عبدالرحمن ترى أن الرواية السعودية «تمر بمرحلة تحول كمي وكيفي من حيث الإقبال المتزايد على الكتابة الروائية مما ساهم في بناء أساس أكثر صلابة يدعم عمق الفكرة وإبداع الصورة الفنية، كما أن تمكن الرواية السعودية من الحصول على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) من خلال رواية عبده خال «ترمي بشرر»، ورواية رجاء عالم «طوق الحمام» دليل على تقدم الرواية السعودية وقربها من تطبيق النصاب الأدبي المطلوب».

وبخصوص الاندفاع الشبابي لكتابة الرواية تؤكد أن «تجاوز الألف رواية من قبل كتاب وكاتبات السعودية لا يعد طفرة، حيث نجد في كل دولة أوربية انتاجاً روائياً يتجاوز الآلاف. الأمر الجديد والمختلف الذي يمكن الكلام عليه ومناقشته هو أن الصمت الروائي أطلق العنان لنفسه بقوة بعد الحداثة وثورة الاتصالات التي فتحت الأبواب للتواصل مع ثقافات العالم، أما التجارب الأولى في كتابة الرواية فهي خير سبيل للوصول إلى توازن أكثر نضجا».
وعن الأسباب التي جعلت الرواية خياراً إبداعياً تعلق: «للرواية مضمارها الواسع الحر حيث يستطيع الكاتب أن يجسد ملحمة ذاتية للعالم برؤاه الخاصة وصوره الفنية التي تعبر عنه، كما ساهم في ذلك إقبال القراء على هذا الفن الروائي. أيضا كتاب الرواية أدركوا واجبهم نحو معالجة مشاكل مجتمعهم والتحولات الاجتماعية، وقد نمت لديهم حاسة الابداع الروائي. يضاف إلى ذلك دعم الأندية الأدبية وتشجيعها للكتاب الجدد، فضلاً عن إسهام معرض الكتاب السعودي في رفع القيمة الثقافية من خلال الالتقاء بثقافات الدول المجاورة».

ظاهرة طبيعية
وتختصر الروائية فاطمة فهد القول على مدى توفر الشرط الروائي لما ينتج من أعمال شبابية في السعودية بهذه الكلمات: «ليس بالتحديد، لأن مفهوم الرواية مختلف من مؤلف لآخر«، أما الظاهرة نفسها فهي في نظرها «ظاهرة طبيعية، في حال كان الكاتب يدرك معنى أن يكتب رواية، فالرواية ليست خاطرة تشير إلى حكايا مبتورة الحوار، ويتغيب عن ظاهرها أن تكون رواية إلاّ من كونها كلمات تطيل نهايتها، لذلك نجدها نسبياً تقف في المنتصف بين الغالب المنعكس والصحيح النادر منها».

ولأن الرواية ليس لها حدود، حسب تعبيرها، فهي «لن تقيدك في شعور أو تلزمك بحد نهاية، لك الخيار منذ تبدأ حتى تريد. أنت تحدد النهاية مثلما يقف بك الشعور أو رؤياك لواقع الرواية».

آراء النقاد

لا بأس هنا من أن نفتح قوساً للنقاد في عالم الرواية، الذين كانت لهم، في تقديري، آراء يحتاج إليها كثير من الكتاب السعوديين. طرحنا على النقاد السؤالين التاليين:

* هل تتوفر في الروايات السعودية التي يكتبها الجيل الشاب الشروط الفنية والموضوعية التي تجعل من العمل الروائي رواية؟ وما هي أسباب هذا الاندفاع لكتابة الرواية حاليا في السعودية؟ وكانت هذه إجاباتهم:
يقول خليل الفزيع (كاتب وناقد وشاعر):
ما يطرح في السعودية من إنتاج روائي ليس كله يستحق هذه التسمية، فبعض الروايات لا تتوفر فيها كل عناصر الرواية، وبعضها مكتوبة بأسلوب لا يؤهلها لأن تكون رواية ناجحة.
ويشير الفزيع إلى أن «التسرع في كتابة هذا الفن في عالمنا العربي أصبح ظاهرة عامة لا تنفرد بها السعودية، مما أنتج هذا الركام الكبير من الروايات التي لا تستحق هذه التسمية».
ويلفت الناقد الفزيع إلى أن «ما ينجز الآن في الرواية السعودية فيه الغث وفيه الثمين، فيه السيئ وفيه الجيد، ومن حسن الحظ أن لدينا روائيين اشتهروا عالميا، ومنهم من كتب بلغات أخرى مثل أحمد بودهمان الذي كتب رواية الحزام باللغة الفرنسية، وأعتقد أن ما يظهر على سطح الرواية السعودية هو طفح لن يلبث أن يزول عندما تتأصل التجربة الروائية السعودية، وتأخذ مداها الزمني الذي يكتسح مع مرور الوقت مظاهر الضعف».

متطورة فنياً ومضمونياًً

من جهته، يؤكد القاص والناقد الدكتور حسن النعمي (أستاذ السردية المعاصرة والمسرح في جامعة الملك عبد العزيز و باحث في السرديات العربية القديمة والحديثة)، أن الرواية السعودية «منجز تجاوز اختبار الجودة، نافست وحصدت جوائز، من هنا فتقييمها يأخذ بعداً مختلفاً»، ويضيف شارحاً: «تقييم الرواية في السعودية يتطلب استحضاراً للسياقات التي تفاعلت فيها الرواية، وخاصة السياقات الداخلية، دخلت الرواية في تفاعل حيوي مع التحولات الاجتماعية. ففي الستينيات قدم حامد دمنهوري رواية (ثمن التضحية) مركزا على حركة التنوير الاجتماعي من خلال تأثير التعليم في الوعي العام، ويضاف لدمنهوري الروائي إبراهيم الناصر، وسميرة خاشقجي، الناصر رصد التحول المدني في المجتمع واشتباك القرية مع المدينة، وخاشقجي سبرت أوضاع المرأة في حقبة الستينيات. في الثمانينيات بدأت الرواية انطلاقة فنية جيدة قياساً بما سبق، حيث قدم عبدالعريز مشري أهم روايات المرحلة، مثل الغيوم ونابت الشجر، وريح الكادي، والحصون وغيرها. تجربة المشري لم تكن الوحيدة في تلك الحقبة، لكنها كانت الأغزر والأكثر تطوراً من الناحية الفنية».

في منتصف التسعينيات، والكلام للدكتور حسن النعمي، وقع التحول الأكبر من حيث زيادة الإنتاج الروائي بشكل لافت من (70 ) رواية منذ صدور أول رواية (التوأمان) لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930م حتى عام 1994م إلى عشرات الروايات. ويضاف إلى زيادة الإنتاج الروائي التطور النوعي الذي شهدته الرواية في هذه المرحلة. ويمكن أن نطلق عليها مرحلة التحولات الكبرى. في هذه المرحلة كتب الرواية الشيوخ والشباب، الشعراء والإعلاميون وكتاب الرأي إضافة الى الروائيين التقليديين».
الأهم في هذه الحقبة، يتابع الدكتور النعمي، هي «الموضوعات التي لامستها الرواية، حيث عالجت قضايا ذات حساسية اجتماعية استثنائية مثل عدم تكافؤ النسب، والعنصرية، وإشكاليات المرأة وغيرها. كما أن التطور الفني ميزة حظيت بها الراوية وبها حصدت جوائز ونافست في أخرى. فاز عبده خال ورجاء عالم بجائزة البوكر العربية، ويوسف المحيميد فاز بعدة جوائز منها جائزة أبو القاسم الشابي للرواية.
المعطى العام للرواية يدعو للتطلع إلى تحقيق انجازات مستقبلية أكبر سواء على صعيد التجارب الفنية، أو الموضوعاتية».

بعضها يلمع كالجواهر
ويذهب الناقد الدكتور صالح زيّاد (أستاذ النقد الأدبي، بقسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة الملك سعود، الرياض) إلى أن

«من طبيعة الرواية الاستعصاء على التعريف الجامع المانع، والتمرد على الانحصار في صفة محددة وقواعد يمكن أن نصنع في ضوئها مقاييس دقيقة للكتابة الروائية. وعلى رغم ذلك وبسببه أيضاً فإن كتابة الرواية عمل غير يسير، لأنها في حاجة إلى اتساع في الثقافة وإلى قدرة على التفلسف وموهبة تعبيرية وخيالية ممتازة. فكل رواية تستحق هذا التجنيس هي عمل مبتكر في طرائق السرد وفي الأحداث والشخصيات… الخ. ولكن لنا أن نقول إن صفات الرواية تلك، هي أسباب مغرية ودافعة إلى ولوج مغامرة الكتابة تحت لافتتها، فكأن الرواية حمى مستباح لكل من أراد تجريب قدراته وممارسة رغبته في الحضور والثرثرة. وهذا الملمح الأخير هو نافذة يمكن الإطلال من خلالها على طفرة الرواية في الساحة السعودية، الطفرة التي تزايد فيها عدد إصدارات الرواية، ولم يقتصر الأمر على الأسماء الجديدة بل تحول بعض الشعراء وكتاب المقالات والباحثين وأساتذة الجامعات المعروفين إلى كتابة الرواية، وكان حضور المرأة لافتاً بأكثر من معنى، فقد حضرت في الرواية أكثر من حضورها في أي جنس أدبي آخر، وتخطى عدد الروائيات في بعض السنوات عدد الروائيين كما في إحصائية المؤلفات الأدبية السعودية عام 2006م، وقدمت منجزاً ممتازاً في بعض نماذجه. وإذا عدنا – في ضوء ذلك – إلى السؤال عن روائية ما يطرح في الساحة السعودية، فليس لنا أن نمارس مشاحة في المصطلح، ولكن المشاحة بالتأكيد هي في قيمة ما يؤلَّف وما ينشر باسم الرواية، والقيمة هنا هي قيمة إبداعية أعني قيمة الممارسة للكتابة من زاوية تراهن على الجمالية والإنشائية خارج أي اضطرار، سواء كان هذا الاضطرار في شكل مرافعة عن حقوق، أو القصد إلى الوعظ والتعليم، أو إلحاح الذات على تصوير حضورها بصفة بطولية ونضالية بمعنى أو بآخر، أو محاكاة منجزات إبداعية فائقة… الخ. فكل هذه الممارسات والمقاصد هي تجليات للاضطرار الذي يجعل المنجَز الإبداعي وسيلة إلى غيره، وترتيباً عليه، وليس ممارسة حرة ومتمحضة جمالياً. والرواية السعودية ضحية الاضطرار بهذا المعنى، فنماذج عديدة منها تدلل بوضوح على استيلاء هاجس المعنى والرسالة الناجزة على أذهان من يجربون كتابة الرواية، فهم يرافعون عما يرون أنه مظالم، ويتسلط عليهم وعي الرغبة في الخطابة والصراخ، وتمتلئ سردياتهم بثرثرة لا تماسك فنياً فيها، ولا خلوص للجمالي. لكن عديداً من النصوص الروائية تحقق امتيازاً روائياً، وتلمع بين غيرها كما تلمع الجواهر الثمينة والأصيلة، وهذا يعني أن التراكم الكمي سيؤدي إلى تحول نوعي، ولابد أن ينحسر هاجس النجومية لكتاب الرواية فتصبح كيفية الكتابة شرط القيمة وليس موضوعها أو مقاصدها».

مكررة وممّلة
حتما ليست كل الروايات السعودية التي تم إصدارها في السنوات الأخيرة يمكن أن تحقق هذا المسمى فعلا، هكذا تجيب الكاتبة والإعلامية حليمة مظفر، وتضيف: «من خلال قراءاتي للكثير من الروايات الجديدة مما يصدره بعض الشباب لا أجدها سوى تنفيسا عن آرائهم الاجتما عية وخواطرهم ورغباتهم وسرد ثرثرات المقاهي التي يجلسون عليها أو حكايات النساء في مجالسهن ليخرجوا ذلك عبر عمل اسمه رواية كتقليد لا غير، فمعظم المضامين التي يطرحونها مكررة ومملة وتفتقر إلى فنيات الرواية وتقنياتها حتى أحيانا تشعر أنها لا تمت للرواية بأي صلة ناهيك عن افتقارها للخبرات والتجربة الحياتية التي تمكن الروائي من فلسفة الأحداث».

وتعتقد حليمة مظفر أن «هذا السيل الروائي السعودي ستقل حدته مع الزمن، لأن الزمن كفيل بفرز القلة القليلة من الروائيين الشباب الذين يثبتون قدرتهم الروائية في أعمال روائية جديدة تتمتع بفنية وتقنيات الرواية فعلا. ومن دون شك فإن في هذا السيل من الأعمال الروائية الصادرة قلة قليلة من الروايات المميزة فنيا وأسلوبيا لكن بات البحث عنها يحتاج من النقاد الغوص لإخراجها ودفعا بكتابها لأعمال جديدة».
أما بخصوص ظاهرة تزايد الروايات فترى أنها «ظاهرة صحية بدأت بعد رواية بنات الرياض التي شجعت كثير من الشباب على المجازفة والخروج بأعمال روائية»، بيد أنها تستدرك قائلة: «لكن الرواية تحتاج لقراءة وتجربة وليست مجرد تنفيس وحكايات تمشي على الأرصفة، وهذه الظاهرة ستقل مع الأيام والسنوات خاصة في ظل وجود قنوات تواصل اجتماعية ويوتيوب بات الشباب يمارسون التنفيس من خلاله ما قلل مساحة الاعتماد على الرواية كمتنفس لآرائهم وأفكارهم في المجتمع، وعموما الجيد فقط سيفرض نفسه في هذا الكم خلال إصدارات جديدة بعد العمل الأول، والقارئ أصبح متذوقا وذكيا والزمن كفيل بالغربلة».

معجب العدواني: الروائيون يتشكلون في اتجاهين
لا يجمعهما إلا التسمية والسجال
الباحث والناقد الدكتور معجب العدواني (أستاذ النقد والنظرية المشارك في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود)، كان تحدث عن هذه القضية في ندوة قاهرية خلال فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي أقيم مؤخراً، وقد أجاب على أسئلة «الاتحاد الثقافي» بالقول:

لا يمكن النظر إلى الروائيين السعوديين الجدد بوصفهم طبقة واحدة، إذ أميل إلى تشكيلهم في اتجاهين لا يربط بينهما رابط، ولا يجمعهما جامع سوى التسمية والسجال، وأريد بالتسمية إطلاق جنس (الرواية) على أعمالهم، وأردت بالسجال بناء عمل مضاد لعمل سابق له، إذًا فنحن أمام فئتين من الروائيين الجدد، وهما:
الفئة الأولى (أ) الروائيون الجدد الذين يصبون إلى معالجة الفعل الإنساني باجتياز الأدلجة إلى صوغ الفن والجمال، وقد راجت أعمال هذه الفئة رواجاً تحقق بفضل ثورة المعلومات وانتشار وسائل التواصل، لكنها لم تحظ بحضورها المرتجى عربياً إلا في حالات قليلة. ويعود ذلك في رأيي إلى وقوع هذه الفئة في مأزق التلقي النقدي الشمولي، وهذا الأمر ربما لم تتعرض له الأعمال الروائية للأجيال السابقة، إذ كان العمل يحظى بعدد من المراجعات المحلية أولاً ليجتاز إلى المستوى العربي. أما بعض الروائيين الجدد فقد كان وضعهم مختلفاً، فقد حظيت أعمال بعضهم بمراجعات نقدية، وحضور تفاعلي، لعلي أشير إلى أن أعمال عدد يسير منهم قد حظيت بدراسات نقدية جادة، يحي أمقاسم «ساق الغراب»، فإننا سنجد بعض مدعي النقد عربياً يروجون لدراسات عن الرواية السعودية منسوخة من الإنترنت، وهم من أولئك الذين يصدرون كتباً لا تمثل سوى نقل واقتباس عن الرواية السعودية، ويمثل هؤلاء خطراً على الكتابة الروائية إذا إن مراجعاتهم تحوم حولها الشبهات في بلدانهم، وأرى أن قراءاتهم من القراءات التي لا تضيف.
الفئة الأخرى (ب) فئة الروائيين الخاضعين لأدلجة ما، إنهم أولئك الذين يكتبون الرواية بوصفها نصاً ينطلق من أيدلوجية مضادة لموقف أو نص أو شخص، وتجبرك هذه الفئة على تناولها على الرغم من ضعف الجمالية وضحالة الفكر، وذلك لكونها تمثل اتجاهًا قام بفرضها، ولها قراؤها المتعصبون، ولديها منصات النشر الخاصة بها، إلى جانب توافر الدعم الكبير الذي تحظى به.
وقد ظهرت هذه الفئة تاريخياً بعد ظهور رواية «بنات الرياض» ورواجها، وتنامي الحركة الروائية السعودية، لتتجلى بوصفها تياراً مضاداً للمنجز، محاولة تشويهه وإرهاب كتابه، هي رواية «تطرف» بامتياز، ومن أمثلة ذلك «زوار السفارات»، و»المرآة المنعكسة» و»حتى لا يضيع الحجاب»، ولا خلاف على أن هذه الأعمال رتيبة وغير متجاوزة وتفتقر إلى الدربة والاحترافية، ونلحظ أن أعمال هذه الفئة تحظى بحضورها على الشبكة العنكبوتية، وتنتشر من خلالها، ولها نقادها الذين يروجون لها. إن فلسفة هذه الأعمال تتعارض مع إطلاق الرواية عليها بل تناقضها، فالرواية حديقة التعدد ومجاله، وأعمال هذه الفئة معقل الأحادية ومصدرها.

رحاب ابو زيد
طاهر الزهراني
احمد الدويحي
المصدر
جريدة الاتحاد الاماراتية الملحق الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق