الحواراتحوارات منشورة

أعمال رجاء عالم الروائية لم تستلهم النص التراثي فحسب بل استلهمت بعض التقنيات الكتابية التراثية

الدكتور معجب العدواني في حوار عن تجربة الروائية رجاء عالم:

حوار طامي السميري

معجب العدواني

@ الرواية عند رجاء عالم حالة مختلفة تماما. ممتلئة بالبعد الغرائبي والعجائبي، ومكتوبة بهاجس روحي ومعرفي وأنت الراصد لتجربتها الروائية كيف تقرأ هذا الانحياز لتدوين كتابة مختلفة روائيا لدى رجاء عالم؟

  • قبل البدء، من المهم الإشارة إلى ما يمكن عده أمراً منهجياً، إذ يمكن تصنيف كتابة رجاء عالم في ثلاث مراحل: الأولى تبدأ بكتاباتها المسرحية مثل (الرقص على سن الشوكة) ورواية ( 4صفر)، والمرحلة الثانية فهي تمثل الاتجاه العام لكتابتها وتبدأ منذ صدور مجموعتها القصصية (نهر الحيوان) ثم توالت أعمالها الروائية (طريق الحرير) و(مسرى يارقيب) و(سيدي وحدانة) و(حبى) و(موقد الطير)، أما روايتا (خاتم) و(ستر) فتمثلان الاتجاه الثالث في كتابتها، وأعتقد أن هذه المراحل الثلاث تشكل مجمل اتجاهات الكتابة الإبداعية لدى رجاء عالم، وهي في مجموعها تمثل إنتاجاً كتابياً مختلفاً ومتفرداً في تجربتها الروائية، إذ تتميز أعمالها بصورة عامة بكونها صالحة للبحث النقدي المعمق، فهي تحوي ثراء على مستوى الدال بتقاطعها مع العديد من النصوص المختلفة وانفتاحها عليها؛ الأمر الذي جعلها أرضاً خصبة لاستقبال أدوات النقد الحديث، كما أنها تحوي ثراء على مستوى المدلول في تناول أوضاع ثقافية واجتماعية سائدة وعلاقاتها المتنوعة، وتجدر الإشارة إلى كون أعمال رجاء لا تتمثل البعد العجائبي فحسب بل تمتد إلى الأسطوري، حيث التفاعل مع هذا البعد، وتستلهم أيضاً بُعد الكتابة الحديثة الذي يظهر في إطارات تشكيلية بصرية عدة ولاسيما تلك التي تتواتر في حقل الشعر الحديث.

@ كيف تفسر التجاوز عند رجاء عالم في كتابة الرواية الأكثر حداثة على مستوى تقنية السرد وكسر قيود الأجناس الأدبية وبين الاشتغال على النص التراثي.هذه الثنائية كيف تجتمع وهل هذا التجريب لا يتشكل روائيا إلا من خلال المخزون التراثي الذي تشتغل عليه في رواياتها؟

  • يمكن القول: إن أعمال رجاء عالم الروائية لم تستلهم النص التراثي فحسب بل استلهمت بعض التقنيات الكتابية التراثية، فعلى سبيل المثال نرى رجاء وقد وظفت لعبة الأرقام في كتابتها، أو ما كان يسمى (حساب الجُمل) في البلاغة القديمة، لكن هذا الاستخدام كان مزيجاً من البعد الفلسفي المنطلق من توظيف الرقم الرياضي في النص بوصفه نوعاً من التجريب الكتابي واستحداث أنماط كتابية جديدة موازية للكتابة الأم، وذلك نابع من استلهام القاعدة الفلسفية التي تنطلق منها الكتابة الرقمية والتي تقول: إن كل شيء هو في النهاية رقم كما قال بذلك الفيثاغوريون، واعتمدت في تبني ذلك على حساب الجمل الذي تتكون حروفه من (أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص قرشت، ثخذ، ضظغ….)، لقد بدأ إدخال تقنية حساب الجمل في الأدب العربي منذ فترات بعيدة، قيل: إنها من العصر الجاهلي، وقيل من العصر العباسي، لكنها فارقت بتوظيف حساب الجمل الطريقة العتيقة، إذ إن حساب الجمل كان يؤتى به للتأريخ للأحداث بذكر اللفظ الذي يعني الحساب بين قوسين، غير أن توظيف حساب الجمل في نص (طريق الحرير) على سبيل المثال قد تم بشكل مغاير، وذلك عبر كتابة العدد الرياضي الذي منه نصل إلى الحرف الأبجدي، والمتأمل لموجة مابعد الحداثة سيلحظ اهتمامها بالتفاعل مع الأشكال التراثية المهمشة التي خلقت وأوجدت هذا الكسر للقوانين السردية الحديثة، وأعتقد أن كتابة رجاء تنتمي بصورة واضحة إلى هذا التيار فنصوصها تؤكد ذلك، فمن اللافت أن نجد نصوص رجاء عالم قد كسرت قيود الأجناسية الأدبية بتبنيها ملمح التجاوز للجنس الأدبي وكأنها تؤسس بذلك لنوع آخر من الكتابة المستقلة التي لا تندرج تحت جنس معيّن، ولذا فإنه يمكن عد هذه الكتابة كتابة متحررة من أسر القيود المفروضة على كافة مستويات الكتابة ابتداء من المفردة وانتهاء بقوانين الأجناسية الأدبية، إن عدم الالتزام بتلك القوانين الروائية السائدة قد أوجد نصوصاً تشكلت من الأجناس المختلفة، إلى جانب كونها سنّت قوانين نصية جديدة التزمتها الكاتبة قبل هذا النص في مجموعتها القصصية السابقة (نهر الحيوان)، و(مسرى يا رقيب) ثم (سيدي وحدانه) و(موقد الطير) إن تلك الظاهرة موازية تماماً لما أرادت قصيدة النثر العربية تحقيقه وإنجازه، حيث وصلت في نهاية الأمر إلى إيجاد قوانين ونظم نصية جديدة لها.

أما ما حققته تلك النصوص من مزج بين الأجناس فالنصوص قد ولد متجرداً من مفهوم الجنس الأدبي، مع أنه قد ارتضى جنساً معيناً كتب على غلافه هو جنس (الرواية)، ولا غرو فإن هذا الجنس المفتوح هو جنس ملائم لنص يحمل مسارات سردية متشابكة، فالرواية عند “ميخائيل باختين” هي (الجنس الأدبي الذي لم يكتمل بعد) وبهذا لم تفلت النصوص من التشكيل الأجناسي على أغلفتها، وإن تحررت منه داخل النص فالمزج بين الأجناس يمثل في حد ذاته جنساً من الأجناس.

@ تعتبر رواية (مسرى يا رقيب) ل “رجاء عالم” و”شادية عالم” نص مزدوج، حيث تم اشتماله على نصين متوازيين يشكلان نسيجه وهيكله. كيف تنظر لهذه التجربة الثنائية في الكتابة وهل نستطيع القول بأن (مسرى يا رقيب) يجب أن يتم تناولها بوصفها (نصاً) لا يقيد بجنس أدبي؟

  • لمقاربة نص مزدوج ومحكم البناء كنص (مسرى يا رقيب) ل”رجاء عالم” و”شادية عالم” ينبغي أن يأخذ موقعك بعداً ثنائياً حتى توشك أن تلم بأطرافه، لقد تجاوز نص (مسرى يا رقيب) العتاقة إلى آفاق تحديثية، ولنأخذ جانبين تحديثيين بني عليهما النص كقاعدتين: إحداهما تتصل بالتشكيل البصري المنطلق من توظيف الرسم التشكيلي في النص، ومحاولة التمازج وتوظيف فراغات البياض وهي عناصر أفادت في تحديث بنى النص وآلياته، فقد بلغت اللوحات الموازية عشر لوحات اتخذت طابع التوازي عبر محاولتها الانخراط داخل بعد تفسيري آني للنص، ولذا انطلقت مسميات هذه اللوحات العشر موازية للكتابة: الصرح، التوأم، ملك الوحش، خارطة الرمل، حجر البازهر، عباءة الأميرة، أشجار العشر، خيال ملوك ق، وعلى الغلاف الأخير لوحة الزقورة، هذه اللوحات العشر تتبنى ملمحاً مميزاً في النص لتقوم باقتناصه، ومن ثم إخراجه إلى المتلقي بعد كبح شحنات الخيال المتدفقة في النص، لكن تلك الرسوم حين تكبح اللغة تفتح إمكانية خلق رؤية تخييلية أخرى نابعة من لقاء العين والرسم بعد هجرها المؤقت للحرف، فيتنقل متلقي (مسرى يا رقيب) بين أداتين تعبيريتين تسمح المسافة بينهما بإيجاد شحنات من التأويل النصي المرافق للنص، ولذلك كله كان من الأجدى لقارئ (مسرى يا رقيب) وغيره من أعمال رجاء أن يتناولها بوصفه (نصوصاً) لا يقيدها جنس أدبي، فالرواية تمنح قارئها فرصة التلقي المباشر، أما النص فهو بلا شك لا يمنحنا فرصة التعرف المباشر عليه كالعمل الأدبي الذي تقوم عليه طريقتنا في القراءة، إن معظم أعمال رجاء تفرض على المتلقي أن يتعامل معها بوصفها نصوصاً غير مغلقة ومشرعة للتأويل.

@ وهي تتوغل في الكتابة ذات الشكل المختلف نجد في رواية “خاتم” رؤية الانشغال بثنائية الذكورة والأنوثة في شخصية خاتم بوصفها الأساس في تكوين الرؤية النسوية عند رجاء عالم.. في رواياتها الأخريات هل كانت تنجو من الكتابة الأنثوية؟ أم أنها تعيد تشكيل الأسطورة والعجائبي برؤية نسوية؟

  • لم تنج رجاء من فعل الكتابة الأنثوي خلال تجربتها وفي شتى اتجاهاتها الكتابية، ولم تكن (خاتم) سوى استكمال لتجربة كتابة أنثوية واضحة في (طريق الحرير) و(سيدي وحدانة) و(مسرى يارقيب)، وحتى ( 4صفر)، فشخصياتها الرئيسة نساء، والهموم هموم نسائية، ولعل (مسرى يا رقيب) أكثر تمثلاً لذلك فهي كتابة أنثوية تؤسس لحكاية الأنثى الأميرة جواهر بنت العابد النارية التي كان أغلب المساعدين الإنسيين لها من النساء كالماشطة عنبرة وخيّاطة القصر، وإذا كان هذا يندرج في إطار مضامين أعمالها الروائية التي تميل إلى الأنثوية، فإني أرى أن خروجها عن الأشكال الروائية (الذكورية) كان ملاحظاً وذلك عبر تكسيرها تلك الأشكال وإنتاج شكل مختلف لكنه مصنوع بقلم أنثى.
  • الخميس 27 ذي الحجة 1429هـ – 25 ديسمبر2008م – العدد 14794

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق