الحواراتحوارات منشورة
أخر الأخبار

الناقد حسن النعمي : “الرواية السعودية” تجربةٌ حداثيةٌ في مجتمع محافظ

حاورته : خديجة إبراهيم الشهري_جدة

رمز من الرموز الأدبية، والثقافية بالمملكة. له بصمة في الحركة النقدية والسردية المعاصرة، والمسرح السعودي..قاصّ وناقد
أستاذاً للدراسات العليا، ويقوم بتدريس (السّردية المعاصرة، والمسرح) في قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
* حصل على جائزة الدراسات الأدبية، والنقدية من نادي جدة الأدبي عام 2015م.
يقول:
‏ ‏”الرواية السعودية هي نص المستقبل الأدبي، وهي منطقة التقاطعات الحوارية؛ التي نحتاجها. فهي نص يقبل التعدد وهو يسمح بالتأويل، ويرضى بالتجاوز والاختلاف. ما أحوجنا أن نكون أجرأ في معالجة قضاينا بروح الرمز الروائي، لبيان فساد التشرذم، واختزال العالم في رؤية أحادية ضيقة.!
*إن الرواية نصّ يتيح الحديث عن الممكن، أو ما ينبغي أن يكون، فلنشرع لها قلوبنا وعقولنا”.

ولنشرع قلوبنا للناقد الدكتور حسن النعمي ونرحب به أجمل ترحيب”في المدار” بمجلة “فرقد الإبداعية” وهذا الحوار الشيق معه.

تطور الرواية السعودية

–تطورت الرواية السعودية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. حدثنا عن هذه التطورات؟
مرَّت الرواية السّعودية بتحولاتٍ ومتغيراتٍ جذريةٍ منذ عام ١٩٩٥م لحظة صدور روايات “غازي القصيبي” و”تركي الحمد” و”عبده خال”؛ الذين دشنوا مرحلةً جديدةً في تاريخ الرواية السعودية، وأهم متغيرين حصلا زيادة تراكم المنشورات الروائية من جهةٍ، وجراءة الطرح المتمثلة في ملامسة حساسية الموضوعات الاجتماعية من جهةٍ أخرى، مع تطورٍ فنيٍّ ملحوظٍ، وهذا أدَّى بدوره إلى ظهور طفرةٍ روائيةٍ غير مسبوقةٍ مصحوبةٍ بمقروئيةٍ عالية،ٍ وغير معهودةٍ أيضاً. ونتيجة هذا المناخ العام، حقَّقت الرواية السعودية المنافسة، والفوز في المسابقات العربية، وتمثَّل ذلك في إحراز روايات “عبده خال” و”رجاء عالم” و”محمـد حسن علوان”، و”أميمة الخميس” و”يوسف المحيميد” وغيرهم جوائز عربيةً مرموقةً. دلَّت على فنّية الرواية السعودية، ومن ثمَّ أصبحت الرواية السعودية مطلب دور النشر العالمية، لترجمتها ودراستها. وهذه المعطيات تدل على تجربةٍ استثنائيةٍ للرّواية السعودية في مرحلتها الحاضرة.

( تجربةٌ حداثيةٌ في مجتمعٍ محافظٍ )

-من وجهة نظرك. ما الذي يميز الرّواية السعودية عن الروايات الأخرى؟
أهم ما يميز الرواية السعودية، أنَّها تجربةٌ حداثيةٌ في مجتمعٍ محافظٍ، وهذا أثَّر على استقبالها، وتشويه صورتها، فالفن الروائي يتعالق مع الواقع فيحدث مشاكسةً مطلوبة،ً لصنع ما ينبغي أن يكون، وإذا كان الواقع كائناً، فإنَّ الفنون عموماً والرواية خاصةً تنشد الكمال، وتسعى إلى تقديم تصورها المختلف عن الواقع، وباختصار هي معنيةٌ بتأسيس واقعٍ موازٍ تجري فيه كل فرضيتها.

-ما مدى استفادة الكُتّاب من التقنيات السردية منذ نشأت الرواية السعودية وحتى الوقت الحالي؟
واضح أن تجارب الكتَّاب بعد عام 2000 مختلفةٌ؛ إذ أخذت بأسباب التقنيات الحديثة، وسجَّلت حضورها عبر العديد من الكتَّاب والكاتبات، أمثال: أميمة الخميس، ورجاء عالم، وليلى الجهني، وعبده خال، ومحمـد حسن علوان، ويوسف المحيميد، وغيرهم. وتنوعت أساليبهم حسب مصادر قراءتهم. والحاصل أنَّ التجربة الروائية في المملكة تجاوزت نفسها، وحققت في وقتٍ قصيرٍ ما جعلها تحصد جوائز مرموقةً في منافساتٍ كبيرةٍ.

-ما العمل الروائي؛ الذي نستطيع أن نقول أنه كان بداية تأسيس منطقةٍ روائيةٍ خصبةٍ؟
دائماً ليس هناك عملٌ واحدٌ، بل لحظةٌ تشكّل منعطفاً تؤثر فيما سواها، ومرحلة القصيبي وتركي الحمد وعبده خال في منتصف التسعينيات الميلادية، تكوَّنت فيها فكرة تجاوزت مهادنة الواقع ومسايرته إلى البناء على المختلف، ومن ثمَّ الوصول بالحزم التعبيرية إلى أقصاها. وكان أن صنعت تلك المرحلة “سونامي الرواية السعودية” من حيث زيادة الروايات المنشورة، وتصاعد حدَّة الخطاب الروائي.

-هل جائزة “البوكر” التي حصل عليها محمـد علوان وعبده خال ورجاء عالم إثباتٌ لقدرة الرواية السعودية على المنافسة؟
بالتأكيد، فالفوز بجوائز خارج المحيط الثقافي مهمٌّ ومؤثرٌ، وهي جوائز يتجاوز أثرها الكتَّاب أنفسهم؛ ليترك ظلاله على السياق الروائي، وهؤلاء الكتَّاب الذين فازوا ليسوا نبتةً خارج السياق الثقافي، بل هم جزءٌ من حركةٍ سرديةٍ بنقدها وملتقياتها ورسائلها الجامعية.

-هل تراجعت القصة القصيرة أمام ثورة الرواية والروائيين أم أنها لا زالت تحافظ على متانتها؟ وما ملاحظاتك على القصة القصيرة جداً؟
سؤال التراجع يصلح أن يكون في أي شيءٍ إلا الفنون، ومنها الأدب السردي، وكل شكلٍ من أشكال الأدب له متلقيه بعيداً عن الظاهرة الإعلامية؛ التي تقول بتفوق لونٍ على آخر، وكل فنٍ له مجاله وقراؤه.
أما القصة القصيرة جداً فهي فنٌّ صعبٌ ومثيرٌ، وليس كل أحدٍ يجيد كتابتها، وأهم ما فيها بعد تكثيف اللغة، وتركيز الحدث، جملة المفارقة في نهاية القصة.

-يروَّج لمقولة أن الأدب السعودي منغلقٌ على نفسه، هل أنت مع هذا الرأي؟
هي مقولةٌ بائسةٌ، فأيُّ أدبٍ يُكتب، تكتب له الحياة.، وأعتقد أن سيل الترجمات للأعمال الأدبية، والفوز بجوائز مرموقةٍ تدحض هذه المقولة بامتيازٍ.

-الجوائز الثقافية كيف ينظر لها دكتور حسن النعمي؟
الجوائز لحظة التقدير والاحتفاء بالمنتج وصاحبه، ولا جدال في أهميتها، رغم ما قد يقع في بعضها من هناتٍ واستقطاباتٍ.

( فجوة مفتعلة )

-نلاحظ أن هناك فجوةً بين المبدعين والنقاد، ما السبب في حدوثها من وجهة نظرك؟ ومن يحتاج الآخر المبدع المهتم بالسرد أم الناقد؟
الفجوة مفتعلةٌ، فالأديب يكتب لقارئٍ مجهولٍ، ولا يجب أن يبحث عن صوت النقاد، وأي كاتبٍ يضع تجربته رهن ناقدٍ معينٍ فتجربته عاجزةٌ عن اختراق فضاء القراءة، وإذا فهم الأديب ذلك ارتاح من قلق هم النظر فيما يقوله الآخرون في أدبه. والناقد قارئٌ مدربٌ انتقائيٌّ بطبعه، فلا تعارض بين التجربتين.

-هل ترى فعلاً أن الثقافة خسرت القدرة على التنوير وبث الوعي؟
نعم فالثقافة بالمعنى النّخبوي خسرت التأثير لمصلحة اليومي، والاستهلاكي عبر وسائل التواصل الحديثة.

-هل تجد أن الموضوعات المقدمة في بعض الروايات شكلت موجة اختراقٍ للمحظور الاجتماعي في حياتنا؟
تشكل التجربة الروائية المعاصرة لحظة اختراقٍ غير مسبوقةٍ، فمن أهم خصائصها مقاربة الحساسية الاجتماعية في كثيرٍ من القضايا ذات النزعة الإقصائية، مثل العنصريَّة، أو عدم تكافؤ النَّسب أو الخطاب الدِّيني المتشدد، وهذه الموضوعات تناولتها الرواية بنقد البنية الأساسيَّة؛ الَّتي ترتكز عليها، وهي نظام القبليَّة؛ الذي يلغي التَّمايز بين الأفراد، ويهمِّش المرأة بل يسلبها حتَّى حقوقها الدِّينية؛ الَّتي تنتصر لها من خلال تفسيرٍ متشدِّدٍ أو مسوِّغات العيب الاجتماعي.

-ما العلاقة بين السَّرد والواقع، والمتلقي والنَّص؟
العلاقة بين السَّرد والواقع علاقة توازٍ وليست علاقة تطابقٍ، فالرِّواية لا تعكس الواقع، وليست صورةً له، بل هي تعبيرٌ عن الذَّات يحمل وجهة نظر الرِّوائي تجاه النَّاس والكون والحياة، وما يراه الرِّوائي أو يطرحه هو وجهة نظره فيما يرى ويعتقد، وعليه فإنَّ المتلقيَّ يقرأ السَّرد من هذا المنظور على أنَّه نصٌّ موازٍ للواقع، تظهر فيه وجهة نظر الكاتب عبر وسيطٍ جماليٍّ، ومن هنا يقرأ المتلقي الرواية على أنَّها مجازٌ عن الواقع، فلا يحمل ما يرى على أنَّه وجهة نظر الكاتب، بل هي وجهة نظره فيما قرأ.

– من كتابك “بعض التَّأويل” ورد فيه “من أبرز الموضوعات الَّتي يتكرَّر ورودها في الرِّواية السُّعودية موضوع الآخر”، فهل يشكل الآخر فعلاً مشكلةً حضاريةً؟
الآخر في الرِّواية السُّعوديَّة موضوعٌ لافتٌ للانتباه، ومعظم الروائيين تناولوه في رواياتهم بشكلٍ أو بآخر، غير أنَّ الآخر الغربي هو الأكثر قلقا في استحضاره. فمنذ الرِّواية الأولى في الأدب السُّعوديِّ (التَّوأمان) لعبد القدوس الأنصاري والآخر حاضرٌ بقوةٍ، غير أنَّ الصُّورة العامَّة لحضور الآخر سلبيةٌ، وذلك يعود إلى الخلفيات التَّاريخيَّة؛ الَّتي لم يستطع الرِّوائي استيعاب أبعادها، والرِّوائي السُّعودي في ذلك تابعٌ للرِّوائي العربيِّ؛ الَّذي وقع في المشكلة نفسها ومازال، وكأنَّ الرِّواية مجرَّد خطابٍ سياسيِّ يترهَّن للمصلحة، ويبني على التَّحالفات، والفن إنساني النَّزعة يبحث عن المشترك وليس عن النَّواقص.

-هل ترى أنَّ القارئ أو الكاتب يمكن أن يكون مؤدلجاً عند قراءته أو كتابته للنُّصوص؟
الإيديولوجيا قدر الإنسان، وليست نقيصةً إلا إذا كانت غير ذاتيةٍ، والإيديولوجيا هي حصيلة معارف الإنسان وتجاربه، يجتمع فيها الدِّين والثَّقافة والتَّجارب الشَّخصية؛ لتكون رؤيته تجاه العالم من حوله، والخطر الإيديولوجي عندما يكون الفرد تابعاً لغيره غير مستقلٍ بتفكيره، وهنا تبدأ الخسارات، فالفرد نفسه أوَّل الخاسرين، لكنَّ نظرته ليست صادرةً عنه، بل عن فكر الجماعة أو القبيلة، أي أنَّه مأسور التَّفكير بمقاييس سابقةٍ، وعليه فالقارئ أو الكاتب إذا كان حرَّ التفكير، سهل عليه التَّعايش مع الاختلاف، أمَّا إذا كان يعرض تفكيره عبر قناعاتٍ مسبقةٍ لغيره، فالمحصِّلة النِّهائية وقوعه في حالة انقسامٍ بين ما يؤمن به، وما يقيِّده من قناعاتٍ غيره؛ الَّتي لم يستطع الفكاك منها.

المصدر
جماعة فرقد الابداعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق