دراسات منشورة
أخر الأخبار

الهوية بين آفاق الحاضر وقضبان الماضي في رواية رجاء البوعلي

رجاء البوعلي

نورة النمر

ترصد الكاتبة رجاء البوعلي في روايتها “أيقظني الديك” إشكاليات وتساؤلات حول قضايا حساسة يتعرض لها الأطفال، ومخاطرها التي تتفاقم بالصمت والتكتم خشية الفضائح أو إثارة المشاكل تلامسها بشيء من الجرأة الفكرية وتقدم مقترحات لتغيير هذا الواقع. وبالإضافة للقيمة الفكرية تحمل الرواية قيماً أدبية وجمالية ملموسة.

جراح السنوات وأثرها في تشكيل الشخصي:

الماضي الذي يترك أثره على الفرد، هل يستطيع التمرد عليه؟ تناقش الكاتبة ذلك بأسلوب سردي أنيق يلامس روح القارئ مع توصيف وافٍ للأماكن وتضمين القصائد النثرية الرقيقة، استطاعت الكاتبة رجاء البوعلي في روايتها الأولى أن تقدم عملاً ناضجاً يشف عن وعيٍ ثقافي عميق وحسٍ إنساني حيٍّ.

الرواية تنتمي لبيئة الكاتبة، وتنقسم لمرحلتين زمانيتين، الطفولة والشباب، تنتقل بينهما بشكل خاطف. تنبض بالحياة منذ بدايتها حيث الحارات القديمة وشاطئ البحر وضجيج الأطفال، والعلاقات الأسرية القوية والصداقات الحميمة، هناك حيث ينبثق ضجيج الحياة والإقبال على الحرية.

ومن أحد المدارس حيث يجب أن تبدأ مسيرات الإشراق والنجاح، تبدأ المعضلة التي تؤثر سلباً في سلك التربية والنشء، حين يسلّم زمام التعليم لمن لا يستحق وتسلط الضوء على قضية التحرش الجنسي للأطفال.

توظيف النصوص الشعرية:

تضمنت الرواية مقطوعات شعرية نثرية متعددة منها على سبيل المثال:

المسرحية الكبرى

رسومها جميلة

وأحداث الشخوص

يختبئ خلف ألف عالم

يظل ضبابيا

ونغوص

وفي مقطوعة بعنوان (تبتُّل) يشف نجوى عميقة مع الليل في دلالات رمزية على هوية ذاتية توصلت إليها بعد بحث وتمحيص، تقول:

أيها الليل خذني

نصلاً جديداً من بلدٍ جديد

هويةً تموج في أوردة دماغي

أنثى بملامح كونية

تشبه كل سفوح الطبيعة

الجارية على كثبان الرمل

إلى جانب عبارات التأمل المفعمة بالرقة والعذوبة وتضمين أبيات لبعض الشعراء المعروفين وكذلك نثريات الكاتبة.

ترك وجود هذه المنثورات الشعرية بين ثنايا السرد والعناق بين اللونين الأدبيين أثرا جماليا، حيث تم توظيفها لتعزيز الجانب الجمالي والأدبي في الرواية، فإلى جانب المحور الرئيسي، تتناول الكاتبة أيضا قضايا أخرى تخص المرأة والاطفال والمجتمع والإنسان عموماً، ومشاكل قد يواجهها المغتربون، لغة الحوار شيقة وحادة أحياناً.

الحوار:

الحوار في هذه الرواية يشبه تقديم حل لمعادلة رياضية أو استخدام مصفاة لفرز أنواع الشخصيات وأنماطهم، فلكل كلمة في الحوار وقعها وتأثيرها لرسم الشخصية بذهن القارئ.

الشخصيات:

متنوعة ومتفاوتة في حضورها وشكلها الدرامي وتأثيرها، (جاسر) الشخصية المحورية أو البطل الثاني تدور حوله الكثير من التفاصيل، أيضاً الصديقات والتباين بينهن في الأفكار وروح التحدي والميولات، أثيرت بين البطلة وصديقاتها أحاديث مهمه تؤثر في قيمة العمل، بعضها (نسويٌ) بامتياز وبعضها ثقافي او اجتماعي اتّسم بعضها بمحتوى عميق جدا، كذلك لم تخل الحوارات من الرومانسية والحب والغزل اللطيف الذي يشبه قصائد الحب العذري، كذلك تناولت الجانب الفني في مداخلات حول الفن التشكيلي وقضايا تخصه وكذلك بعض التحليلات الفنية.

ميار، بطلة الرواية:

بطلة الرواية (ميار) التي يجري السرد بصوتها، فتاة تجيد التأمل، على علاقة وطيدة بالبحر والطبيعة، تبحر بأفكارها قبل جسدها، والأحداث تدور حول صراعها من أجل ملاقاة حلول لهذه القضية ورسم مستقبل أجمل وأكثر أماناً للإنسانية والطفولة في بلادها.

سطوة الفكرة:

البحث لإيجاد الحلول والحيرة بين التحلي بالإصرار او التخلي عنه، كان موضوع الرواية مما ترك جواً من القلق والتوتر السردي يشبه ناراً هادئة تسخّن توقعات القارئ حول الأحداث التالية من الرواية، واحتمالات النجاح والفشل لمساعي هذه البطلة. لذلك نجد أن الفكرة طغت على الجانب الفني فيها وقد تم تأييد أطروحتها ببعض الإحصائيات الموثقة في نهاية الرواية.

الأحداث والتداعيات:

تستكمل البطلة مسيرتها الفكرية والتأملية في صراع ومعاناة من أجل البحث والرغبة الجامحة في إيجاد الحلول، نستشف من خلال العبارات الرنانة طبيعة روحها القلِقة والثائرة بشكل دائم (أنا لا أرى نهاية البحر ولا نهايتي) في إشارة عن المدى البعيد والمسافات الممتدة لبصيرتها وكفاحها حيث لا ترى حدودا ولا عوائق رغم وجودها في الواقع.

المكان، حيث تشير بوصلة القلب:

من شاطئ لشاطئ ومن رحلة لرحلة من شرق العالم لغربه، هكذا تنأى بزاويتها المكانية لرسم خطوات النجاح، في محطات متعددة ومتنوعة، من بحر المتوسط إلى مدينة روما، والتطرق لبعض المعالم والأماكن السياحية واستحضار بعض الرمزيات الثقافية ذات التاريخ العريق مع ربطها بفكرة الرواية.

“أيقظني الديك” شكل نقدي ثقافي للرواية قدمتها لنا كاتبة شابة لها مستقبل واعد في عالم التأليف. صدرت عن ملتقى ابن المقرب الأدبي بالتعاون مع دار أطياف للنشر.

المصدر
صحيفة انحاء الالكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق