الدراساتدراسات منشورة
أخر الأخبار

الوشل… محمد المزيني يرصد حصاد “خيبات” الطفرة.

عبدالواحد الأنصاري
مفاتيح

كما أن الفيروز آبادي رمز للموضع والبلد والقرية والجمع [القاموس المحيط، الفيروز آبادي،40]، فقد اكتفيت بكتابة: ن، ك، د، عن كتابة أجزاء الثلاثية: النزوح، الكدح، الدنس. كما اكتفيت بكتابة: ت عن المترجم، ولم ألتزم بالاسم الثلاثي، بل بالاسم الأول والأخير، إلا حين يكونان متطابقين فأكتب الثلاثي، كما لم أذكر الطبعات ولا الناشرين، وعزوت إلى المراجع التي نقلت منها مباشرة من دون أن أذكر عمن نقل أصحابها حين ينقلون، وقد أعطف فقرة مستخلصة على أخرى مقتبسة وأحيلهما معا إلى المرجع، وكل ذلك اختصارا. أما الدوريات والإصدارات فأذكر الدورية ورقمها واسم المؤلف ورقم الصفحة، وحين يكون المؤلفون متعددين وأحدهم مختص بالفقرة أكتب اسمه وأضيف: “وآخرون”. أما القرآن والحديث فأكتفي فيهما برقم الآية ورقم الحديث، كما لم ألحق القراءة بقائمة المراجع، اختصارا أيضا.

دلالات

الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة [القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 985]، واشتققته عنوانا من الترطيب والقلة، وهما مجتمعان في المفردة، وذلك توصلا بها إلى غرض المؤلف من ثلاثيته، إذ أراد أن يؤدي واجبه بقراءة اجتماعية للأجيال الحالية والقادمة، عن الإرهاصات التي أدت إلى المآلات التي يعيشونها في الراهن. [ن/5].
وتأتي “ضرب الرمل” مشيرة إلى بضع دلالات منها: ضرب الرمل بالأقدام، بمعنى السعي في الأرض، والإبعاد فيها: “جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا مناكبها” [الملك/15]، “إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى” [آل عمران/156]. وضرب الرمل بشراء الأراضي والمضاربة فيها: مرويات عن الصحابة في إباحة المضاربة [إرواء الغليل، الألباني، 1470]. وهي بمعنى ضرب الرمل باستطلاع ما وراء حجب الغيب والمستقبل [ن/143]: الخط على الرمل (بمفهوم مخالفة) [صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، 836].

نافذة

يمكنني أن أقول: إن العقد الذي تظهر فيه ثلاثية جيدة، هو عقد روائي جيد، مستفيدا هذا القول من مبدأ إدوارد أوبراين القائل: “إن السنة التي تظهر فيها قصة عظيمة هي سنة استثنائية، وأحيانا لا يتم التعرف إلى مثل هذه القصة إلا لاحقا” [أفضل القصص القصيرة الأمريكية في القرن العشرين، جون أبدايك وكاترينا كنيسون، ت فؤاد سروجي، 14]. ويؤكد نجيب محفوظ أن كل كاتب يكتب ويتعذب ليصل وينتشر [نجيب محفوظ زعيم الحرافيش، محمود فوزي، 66]. لكن لا تكاد روائع الإبداع السعودي تصل إلى القارئ العربي، ولا يكاد يعرفها أو يتوصل إليها النقاد العرب إلا مناولة، في المؤتمرات والدعوات التي تنظمها المملكة [كتاب الرياض127، ملامح الأدب العربي المعاصر في السعودية، عبد الله مرتاض، 112]، ذلك أن الرواية السعودية وإن علم العالم العربي بطفرتها، إلا أنه لا يعرف من الأعمال إلا القليل الذي اشتهر من طريق السجالات أو المبيعات. والنقاد الذين كانوا يشتكون من غياب حقيقي للرواية السعودية قبل التسعينات، أصبحت الرواية المتوافرة الآن تعاني من قلة كتابتهم عنها [منبر الحوار، تركي الحمد نجاح الرواية السعودية أم فشلها، حسين المناصرة، 52].
والكاتب في النهاية ليس إلا امتدادا لنسق أو حركة سبقته، ولكنه يحاول أن يقدم نفسه بصورة أصيلة مستقلة عن ذلك المعطى السابق الذي يمثل امتدادا له [نقد وحقيقة، رولان بارت، ت منذر عياشي، 21].والمزيني في ثلاثيته امتداد حقيقي واستدراك جاد، واستمرار للاتجاه الفني الواقعي في الرواية السعودية، بعدما مثل هذا الاتجاه قبله حمزة بوقري وإبراهيم الناصر ومحمود المشهدي [الوهم ومحاورة الرؤيا، منصور الحازمي، 165].
وكما لو أن الحديث عن الرواية هو الحديث عن الحياة [دراسات في القصة والرواية الليبية، مصطفى عبد الشافي مصطفى، 73] يقدم المزيني لنا الأفكار التي نحس ونحن نقرؤها أننا قرأناها من قبل، ومع ذلك فهذه الأفكار تشعرنا بضرورة تغيير حياتنا، وكأننا قرأناها في حياة سابقة [فيدون، أفلاطون، ت عزت قرني، 43]، أو أننا مصابون بفقدان الذاكرة الأدبية. [ثلاث حكايات وملاحظة تأملية، باتريك زوسكيند، ت كاميران حوج، 56]. ومع ذلك فإننا لا نقرأ في الثلاثية تكرارا للعالم الذي نعرفه أو محاكاة له، بل نقرأ العالم من جديد في عقل الكاتب الذي يقدمه، فالصورة يتم رسمها من جديد في كل روائي يكتب المجتمع [بناة العالم، ستيفان زفايج، 1/201].
وينتقد المزيني المجتمع في روايته نقدا أخلاقيا، وهذا النقد إضافة إلى حضوره في عالم النقد بوصفه منهجا متبعا لدى بعض الكتاب [مجلة علامات، النقد الأخلاقي عند عبد الله كنون، إدريس الكريوي، 118] فهو أيضا يشيع في الأعمال الأدبية لكتاب الأدب الاجتماعي غير المؤدلجين. كما يكتب المزيني الحياة المحلية، من زاوية أسرة نجدية تعيش الصراع الطاحن فيما بين أفرادها، وهو أسلوب ظهر في الكتابات العربية منذ وقت طويل، وله أمثلة عدة [موسوعة أعلام العرب المبدعين في القرن العشرين، خليل أحمد خليل، 62].

والثلاثية حصيلة لخيبات الطفرة وكتابة اجتماعية أخلاقية منعكسة عنها، كما أن متغيرات الطفرة والانفتاح كانت سببا في ظهور كثير مما سبق من روايات [الرواية في المملكة العربية السعودية، سلطان القحطاني، 317].
وعلى رغم أن مصطلح النقد الأخلاقي الاجتماعي موجود في النقد والأدب منذ وقت طويل، والنزعة نفسها بادية في الأدب والنقد السعودي، فإن الإشارة إليه –مصطلحاً- في نقد الرواية السعودية ظلت نادرة إلا في بعض كتابات قليلة كمقالات فائز أبا [من يعلق الجرس، فائز أبا، 64]، وبعض الدراسات النقدية [القيم الخلُقية في الرواية السعودية، عبد الملك آل الشيخ، 432]، وذلك راجع إلى أن هذا التيار الأدبي انطمس تحت صراع الأيديولوجيات والإثارة في الرواية المحلية، ولكن قد ننتظر أن يظهر بصورة أكثر وضوحا قبل أن يظهر إطلاق هذا المصطلح عليه [التيارات الفكرية وإشكالية المصطلح النقدي، سلطان القحطاني، 215].
ولكي أختار نوع القراءة التي أقدمها عن الثلاثية، انطلقت من فكرة: أن النص المقروء هو الذي يحدد طريقة قراءته [مناهج النقد الأدبي، مجموعة من الكتاب، ت رضوان ظاظا، 8]. وتأملت في نهج الرواية وطريقتها في تقديم نفسها، مستصحباً أنني إن أكتب قراءة نقدية فلا بد من أن أتحرر من الإرهاب المنهجي [السابق، 11] الذي يثيره بعض النقاد الذين يكثفون في نتاجهم النقدي أخطاء المقالة النفسية، ويلزمون غيرهم بالكتابة المنهجية، ولكن في الوقت نفسه لا بد في القراءة -حتى إن كانت حرة كهذه- من وجود معالم واضحة يمكن لمن يطلع عليها أن يستخلصها منها.
ووفقا للنمذجة المرجعية كما عند هينكل رأيت أن ضرب الرمل تنتمي إلى الرواية الاجتماعية، “التي تقدم شخوصا يشبهون شخصيات الواقع المعيش في ظروف اجتماعية مختلفة ويسهل التعرف عليها”… كما يطلق عليها الواقعية نظرا إلى استمدادها مادتها من الواقع، ومن أهم مؤشرات كونها اجتماعية تقديمها تفاصيل كثيرة للمكان من خلال الوصف [تحليل النص السردي، محمد بوعزة، 24]. وهذا ما نراهن على توافره في العمل بصورة لا يمكن تجاوزها، فنجد من الأحياء: الديرة، الطرادية، سكيرينة، الشميسي، العجلية، الثميري، البطحاء، المرقب، الصالحية، الملز، المعيزيلة، العليا، السليمانية، مقهى حديقة الشاي، الصناعية القديمة، شمال الرياض، وسط المدينة. ومن الشوارع: دوار أم سليم، الثلاثين، الستين، الأربعين، المطار، السويدي العام، المتنبي، الأحساء، الدائري الشرقي، الثمامة، الملك فهد، التحلية، مخرج 14، مخرج 8. ومن المعالم: إمارة الرياض، جامع الديرة الكبير، الأمانة، معهد الإدارة، أسواق الحياة مول، أسواق الرياض غاليري، مقهى 2.


وإذ نختار القراءة الاجتماعية فليس ذلك لأننا نعتمد أن الأدب للمجتمع بالضرورة أو أن المزيني كتب روايته وفقا لمشروع غائي صرف [مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، بيير باربيرييس وآخرون، 185]، ولكن ليس بعيدا عن الصيغة التي أرادها الكاتب في مقدمة روايته لغايتها، إذ إنها ليست ضربا من الكتابة للأنا، بل وصفها مؤلفها بأنها قفز للوصول إلى الآخر، مؤكدا أن فيها إحساسه بالمسؤولية تجاه الأجيال النامية الغافلة عما تحصده نتيجة لما اقترفه من قبلهم [ن/5]. ومن هذا المنطلق فإن المزيني يصرح بأنه يتوجه إلى القارئ لقراءة الصريح الخارجي وقراءة المضمون الداخلي [مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، بيير باربيرييس وآخرون، 189]، فالنص هو الآخر لغز يحدثنا عن الاجتماعي- التاريخي من خلال ما قد يبدو جماليا أو روحيا أو أخلاقيا فحسب [السابق، 190]، فالصريح هو ما نصت عليه مقدمة المؤلف وشهدت به الرواية على الأحداث، ولكن المضمر هو الرسائل الخفية، والوحدة الرمزية لما توصل إليه في نهايته وهو الدنس [د/83]، إذ تتلطخ عائلة شقير الرامزة للمجتمع بالطفرة الوهمية وتهوي في الصراع نحو القمة لتصل إلى حيث يتساقط الجميع بمن فيهم أقطاب اللعب [د/332].

الظواهر الاجتماعية

تتتابع الظواهر الاجتماعية في البروز من خلال الثلاثية تترى، منضوية في ثنايا الحكاية بطريقة فنية غير مباشرة، ويتضح أن أحداثاً سياسية مفصلية في العالم العربي لم تغطها الرواية مثل حروب فلسطين، على حين ظهرت الحرب اللبنانية بصورة عرضية [ك/115]، ولم يظهر سوى ذلك إلا نتف عن قضية فلسطين [ك/79]، وعن الموقف المتفاقم من الشيوعية [ك/98]، والحرب الأفغانية التي كانت حدثا خليجيا حقيقيا [ك/96]. وما بقي فهو ظواهر اجتماعية داخلية، إذ الرواية مرتكزة على الحدث الاجتماعي المحلي.
وهذه بعض الظواهر التي سجلتها ثلاثية ضرب الرمل على التوالي: نزوح المتشردين من القرى [ن/16]، امتهان الأعمال الشاقة كالحجر والطين [ن/18]، بناء البيوت المرتجلة في الأحياء القديمة [ن/52]، المجتمع السعودي السهل في شكل العائلة والجيرة والإمام ومطوع القرية وأستاذ المدرسة [ن/63]، بدء تزايد العمالة اليمنية والشامية [ن/32]، فتح صندوق القروض العقارية، والبناء في أحياء شرق الرياض آنذاك كالربوة والروضة [ك/67]، دخول الملز في العمران [ك/19]، بدايات الصحوة ومصطلحاتها [ك/81]، ثم بدايات حركة جهيمان [ك/85]،ووقوع فتنة الحرم [ك/88]، ثم ظهور التحولات الاجتماعية الناتجة عن الطفرة [ك/93 و94]، ودخول السعودية في أتون حرب أفغانستان، وخروج شباب الخليج في البواخر الأمريكية من “بتايا” إلى الحرب الأفغانية، متزامنا مع انفتاح البث الفضائي في المنطقة الشرقية [ك/96]،وتوسع نشاط الهيئة [ك/97]، وتعالي خطاب سيد قطب ومقاومة الشيوعية [ك/98]، والحرب اللبنانية [ك/115]، وشيوع صفقات الأسلحة [ك/119]، وانتشار المراكز الصيفية وذيوع صيت الأناشيد الإسلامية [ك/94]، ثم اندلاع حرب الخليج [ك/130]، وانفجار ظاهرة شباب البهرجة والمال [ك/142]، وتضاعف أجيال الإهمال والفقر [ك/104]، وانتشار أخبار عن سعوديات يتزوجن من متجنسين [ك/196]، وانخراط المرأة في نشاط الصحوة [ك/183]، ودخول الفضائيات إلى البيت السعودي [ك/178]، واعتراض العوائل والأسر على اندماج الإناث في دراسة الطب [ك/215]، وبداية طلائع الإرهاب [ك/209]، وتكاثر الأجيال المتأثرة بالموسيقى الغربية [ك/232]، ثم ظهور فئة البويات من الإناث [ك/231]، وفشوّ الفكر الإرهابي والتفجيري [د/10]، وانتشار الحركية الإرهابية [د/15]، ودخول هوامير العقار في حروب دموية[د/26]، وأزمة العنف الأسري [د/108].

الهرم الاجتماعي

تتربع على رأس الهرم الاجتماعي –بحسب الثلاثية- فئة كبار الشخصيات والمسؤولين [ن/52]، يليهم التجار ورجال الأعمال [د/311]، ثم رجال الدين [ن/63]، ثم المديرون وكبار الموظفين [ن/115]، ثم صغار الملاك [ن/107]، ثم الموظفون [ن/89]، ثم الأهالي البريئون[ن/58]، ثم العمالة الأجنبية [ن/32]، ثم الأطفال وذوو الاحتياجات الخاصة [ن/145]، ثم العبيد [ن/143].
ولا يمكن التنقل بين هذه الطبقات إلى أعلى إلا وفقا لثلاث طرق: الحظ الميتافيزيقي [ن/143]، ثم انتهاز الفرص السانحة [ن/122]، وبعد ذلك بالقسوة في السوق وإبعاد الدين والأخلاق عن المعمعة [د/212].
وفي هذا الصدد نلحظ أن المزيني يطلق روايته من الطبقة الشعبية السهلة، ولهذا فهي تظل مشحونة بها منذ البدء حتى النهاية كما هو الأمر في تنظير باختين [تحليل النص السردي، محمد بوعزة، 17].
ومن اللافت للنظر في العمل الذي بين يدينا، أن العرقيات الدنيا التي تعيش في المملكة أو المهاجرة إليها تعاني هم الاندماج في العرقيات والطبقات العليا [ك/113]، وهي الصفة التي نجدها في أغلب مجتمعات العالم العربي، في مقابل أن العرقيات في العالم الغربي تخشى الدمج أو فقدان الهوية بالاندماج في الآخر [اللعب في الظلام، توني موريسون، ت أسامة أسبر، 94].

الشخصيات

إن القارئ الذي يطالع ثلاثية ضرب الرمل ليجد نفسه أمام تنوع هائل من الشخصيات التي تنتمي إلى شتى طبقات المجتمع المحلي، وينتمي أغلبها إلى عالم الواقع، ونرى أن الشخصيات تقدَّم إلينا تقديما غير مباشر في الغالب [تحليل النص السردي، محمد بوعزة، 46]، باستثناء بعض الشخصيات التي تتقاطع مع الشخصيات الرئيسية في الثلاثية، فهذه يتم تقديمها بصورة مباشرة [ن/150]. وهاهنا بيان بأغلبية الشخصيات في الرواية، إذ لم نجد من المتيسر إحصاءها جميعا: أم شقير، جار الله الهدب، جلعود، أبو فهاد، جملا، أم جهير، جهير، مداوية القرية، ميثاء، المطوع، الأستاذ، شيخ المصطبة، ملك الجن، راعية الغنم، شيخ الطريق، نبهان الدواك، أم نبهان، أبو نبهان، ميثاء، والد ميثاء، طرفة، الشيخ مبارك، أم راشد، العارفة، المدير صالح، أبو سعد، سلمى، رقية، عذبة، زوج جملا، الخرازي، نبيل، وداد، ثريا، منذر، وفيق، فيحان، غزيل، الخطافة، ناصر، وحيد، وليد، محمود، أبو هشام، نورة، مناير، سعاد، رنا، سمر، راشد، نديم، أبو البراء، أبو مالك، الموظف الجاسوس، أميرة، وفاء، سوسن، هويدا، أيمن، أبو لجين، أبو القاسم، أبو حزام، نزيه، سوزان، طاهر، نادر، مشعان، فلاح، ألينا، زيغريد.
ونقدم منها على سبيل التمثيل:
1. شقير، الشخصية الرئيسة، أو الشخصية الحبكة، فيمكننا أن نقول إن الحبكة وشقير متماهيان تماما فيما عدا الدنس، كما كان يقول هنري جيمس بإمكان التبادل بين الحكبة والشخصية [موسوعة المصطلح النقدي، عبد الواحد لؤلؤة، 3/465]. وهو الصبي النازح، الذي قدم من القرية البعيدة في القصيم[ن/37] متجها إلى الجنوب، إلى العارض [ن/14]، وعمل حمالا مع أبي فهاد [ن/19]، ثم تلقفته الميتافيزيقية جملا [ن/23]، وأوصله إلى العمل مع اليمنيين في قصر الملك سعود بالناصرية [ن/31]، وعاد لقريته وتزوج جهير، التي أنجبت منه سلمى وعذبة ورقية وناصر، وأوصت به جملا الشيخ مبارك ليرفع من شأنه [ن/144]، والتقى بنبيل ليتحول إلى تاجر للعقار لا يعرف الرحمة، وزاوج بين الوظيفة والمضاربة في الأراضي، مكتسحا شريكه الأول (صالح) [ك/58]، ثم تزوج ثريا أخت نبيل، وأنجبت منه وحيد وسعاد ورنا وسمر، وخانه صهره نبيل مع ابنه وحيد لتنهار تجارته، وفجع في ابنه ناصر وزوجته جهير، فيما أسماه يوم النكسات [251] ليموت موتة أسطورية لدى الشاخص الصحراوي الذي يجلس عنده طيف جملا [د/331]. ويمثل شقير شخصية القصيمي النازح إلى الرياض مكونا فيها ذاته، متناسيا قريته التي لم يعد إليها قطّ كما تحكيه الرواية بمفهوم مخالفة! وتلتقطه تعويذة جملا ووساطة مبارك لتصنعا منه هامور العقار الأكبر.

2. جملا: الشخصية الثابتة الفاعلة في النص، بل الشخصية الجذابة في العمل [تحليل النص السردي، محمد بوعزة، 60] -إضافة إلى ثريا [ك/19]– وهي امرأة تعيش في المدينة القديمة، تحتضن الأطفال المشردين وتصنع منهم رجالا بقوتها السحرية ونفوذها الغامض [ن/146]، وقد ترمز في بعض تجلياتها إلى العناية الإلهية أو يد الحظ. لكن تلك الفرضية تهتز حين تتذكر جملا حبيبها وزوجها الذي قتل في حادثة انتقام وتبكيه [ن/100]، وتتصل بالشيخ مبارك لتعالج ابنته طرفة [ن/52] فتجد لديه الحظوة، ثم ينتهي بها الأمر ميتة على أثر المرض[ن/154]، وبموتها بين يدي شقير ينتهي الجزء الأول، كما انتهى الجزء الأخير من ثلاثية محفوظ بموت سي السيد [السكرية، نجيب محفوظ]. ويأوي شقير إلى منزلها لتقرأ له المستقبل بصحبة ملوك الجن والثعابين الناطقة بأخبار الغيب، وإذا تخلى عن وصاياها أو ضعف عنها فإنها تزوره وتقرعه، وبوصاياها يصل إلى المجد، وبتركها وإهمالها يناله الضعف ويبلغه الهوان.
وتنقسم هذه الشخصية على نوعين من الشخصيات، فهي منشطرة على ذاتها، إذ تنتمي في صورتها البشرية إلى الإنسانة الحنون الرؤوم، التي التقطت شقير وبريه (حميد) من تيههما، وعنيت بهما، فهي في تلك الصورة شخصية نسائية هامشية غير نامية [صورة المرأة في القصة السعودية، محمد العوين، 1413]. لكن عندما تنتقل إلى حياتها البرزخيّة نكتشف أنها اصبحت ذاتا أسطورية متحكمة عليا، لا تنتمي إلى صنف الشخصية الهامشيّة، لأنها هنا تؤدي دورا أشبه بدور إيفجراف مع جيفاجو [مطبوعات كتابي19، د. جيفاجو4، بوريس باسترناك، ت يحيى حقي وآخرين، 255]، وهي تدير دورها وتلقي وصاياها من عالم البرزخ، فهي بهذا الاختصاص تكون فرعا ثالثا، إذ ليست هامشيّة ولا نامية، بل لها من صفات الهامشية الثبات، ولها من صفات النامية التدوير، كما أنها لا تصنف ضمن الشخصيات غير الفاعلة [صورة المرأة في القصة السعودية، محمد العوين، 1406 و 1418].
وإذا كان سواد الشخصيات في ضرب الرمل ينتمي إلى عالم الواقع، فإن جملا مزدوجة بين عالمي الحلم والواقع، بحسب التقسيم المعروف [تقنيات الوصف في القصة القصيرة السعودية، هيفاء الفريح، 261]. والحلم الذي تظهر فيه يتصف بالحيوية والتنوع التصويري، كما أنه يتدرج من الوضوح السافر [ن/144]، إلى الرمزية الشفيفة [ك/25]، إلى الرمز المغلق [د/130]، متأرجحا بين الأحلام الواضحة المنكشفة، والغامضة التي تضيء مستقبل الرائي (شقير) [في أعماق الروح، تهاني المبرك، 202 و205].

3. جهير، إنها المعادل الموضوعي لأمينة زوجة سي السيد في ثلاثية محفوظ [قصر الشوق، نجيب محفوظ]، فقد زوّجت وهي قاصر دون أن تعرف معنى الحب من شقير [ن/40]، وتربت على الصمت الأبدي والطاعة العمياء حتى أنجبت ابنتها سلمى [ن/43]، وتوالت عليها المآسي عندما لم ترزق بابن ذكر لزوجها، حتى إنه كان عندما تعاني آلام الوضع يقول: “أكيد بنت” [ن/131]، أو: “مبروك البنت مقدما” [ن/155]، وعندما حظيت بالذكر الذي حلمت به كان زوجها قد رحل عنها إلى نعيم زوجته ثريا، فلم يحتفل بابنه ولم يسمّه كما أرادت، لأن ميلاده واكب ميلاد أخيه المدلل وحيد [ك/91]، وتربى ابنها ناصر وهي ترى بعينيها حرمانه وتعيش حزنه وقسوته وهجره حتى بلغتها وفاته فانهارت ميتة [د/273]، وبموتها الشبيه أيضا بموت سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ [السكرية، نجيب محفوظ] بين يدي زوجها شقير، تختتم الملحمة.

4. نبيل، صهر شقير الذي التقى به في مبنى الأمانة [ن/151]، وتوصل به إلى تحقيق أعظم المناقصات، وهو الكنز الذي توصل إليه شقير [ن/152]، وأصبح مسؤولا عن المشاريع في شركة شقير [ك/28]، وكان هو اللبنة السحرية في حياة ختَنه [د/26]، وبوساطة من الشيخ مبارك حصل على الجنسية [ك/113]، لكنه كان اللعنة التي طاردت شقير وأودت به، وكان هو الرمز الذي ظل طيف جملا يحذر شقيرا منه ويملي عليه التحذيرات الرمزية بشأنه [ك/99]، ولكن شقير لم يمتثل أمرها، حتى أنهى نبيل حياته بالأزمات القلبية بعدما نجح في خداعه في المرة الثالثة [د/144] إثر محاولتين فاشلتين سابقتين لم تنجحا [ك/109 و125]، وفي الخاتمة ينتهي النزاع على الكعكة به قاتلا لابن أخته وحيد، كما سيأتي.

5. ثريا، سيدة المرحلة [ك/75]، وسيدة المراحل [د/310]، وهي الزوجة السورية الوفية، أخت نبيل الغادر، التي أدت ما عليها تجاه زوجها، ووقفت معه ضد خيانات أخيها وابنها وحيد، وساهمت في لم شعث أسرتها بتزويج ابن أخيها المتجنس منذر من سلمى ابنة جهير[ك/196]، فبدأت الأسرتان في الالتمام من جديد، وسلمت عصا القيادة بعد الويلات التي حاقت بالأسرة إلى سلمى، بوصفها سيدة المرحلة الجديدة [د/311].

6. وحيد وناصر، يمكن أن نعد هذين الأخوين الذين ولدا في يوم واحد [ك/91] مصنوعين في النص ليحيلا إلى نوعين من جيل الشباب الحالي، الجيل الذي نشأ على البهرجة والمال، من بيئة منعمة [ك/142]، والجيل الذي تربى في التشريد والفاقة [ك/104] وكلا الجيلين عانى من إهمال الوالدين والتفريط في رعايتهما، ووحيد وناصر هما المعادلان الموضوعيان لهما؛ فنجد أن وحيد يتجه إلى عالم المال والاحتيال، ويعق والديه ويدمر أسرته من الداخل، بإغواء من خاله الشامي المتجنس نبيل [د/113]، لينتهي به النزاع على الكعكة مع خاله قتيلا[د/321]. وأما ناصر فبتدأ ملامح شخصيته المتشددة في الظهور عقب ليلة من التشرد بحثا عن أبيه في الأحياء [ك/140]، ليضطر بعد ذلك إلى الكد على “ونيت” [ك/150]، ويجابهه والده بالإهمال التام [ك/155]، وأثناء العمل يلتقي رفيقه الذي يبدأ في سحبه رويدا رويدا إلى التشدد الديني، بعد أن يبين له خيبته وصعوبة نجاحه في الحياة ما دام لم يحظ على العناية والتدليل اللذين حظي بهما أخوه وحيد [ك/151]، وتبدأ بوادر تشدده برفضه زواج أخته من منذر [ك/205]، ثم انضمامه للجماعات [ك/209]، وانضمامه للعمل المسلح معها، لتتمثل فيه صورة انتقال الحركية إلى الإرهاب [د/151]، لينتهي به الأمر وقد دمر أسرته من الخارج، منفذا –على رغم أنفه- جريمة تفجير الداخلية [د/247]، في اليوم المسمى بيوم النكسات [د/251].

الأسلوب، الزمن، الإيقاع

غالبا ما يتحدث أصحاب الدراسات النقدية عن الأسلوب مستقلا عن الإيقاع والزمن، ولكن لأن لأسلوب المزيني في ضرب الرمل تعلقا بالزمن والإيقاع، ولذلك ارتباطا وثيقا بالحالات الاجتماعية التي يسردها الراوي، رأيت الدمج بين الأنواع الثلاثة في عنوان.
يمتد خط الرواية أفقيا كما لو أن المزيني يختط طريق شخصياته من النزوح إلى الكدح وحتى الدنس وفقا للترتيب الأفقي قياسا على الترتيب الفقهي، إذ يبدأ الإنسان في كتب الفقه صغيرا يتعلم كيف يغسل وجهه بالماء وكيف يعبد إلهه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى السوق للكدح والبيع والشراء والمضاربة، ثم يتزوج، ثم تظهر النزاعات العائلية، وتدخل العائلة في مشكلات النشوز والعضل والطلاق، ثم تتطور العداوات إلى ارتكاب الاختلاسات والسرقات والحدود، ويلجأ المتنازعون بعد ذلك إلى القضاء، وأخيرا تختتم كتب الفقه بأبواب القتال، [موقع الدرر السنية، ترتيب الموضوعات الفقهية ومناسباته، عبد الوهاب أبو سليمان، خاتمة البحث]. وهذا التناص يعد ملفتا جدا إلى ظروف نشأة المزيني الذي درس أبواب الفقه في المعاهد العلمية وفق الترتيب المذكور، وشهدت ثلاثيته توافقا –غير واع ربما- بين خط روايته الأفقي والخط الفقهي، غير أن ما قد يجعلنا نتشكك في هذه المقاربة هو أن أبواب الفقه نفسها رتبت وفق مسيرة الإنسان الحياتية، التي تنقلها الرواية بالتدرج الزمني نفسه [السابق].
راوي الثلاثية يتحدث دائما في الزمن المواقت والمتزامن، وقلما يقدم سردها في الزمن السابق أو اللاحق إلا في بعض المونولوجات الذاتية لبعض أبطالها مثل جهير ووحيد، وعندئذ نرى على سبيل المثال في جهير [ن/43] أنها تطل بالقارئ من المستقبل على أحداث الرواية [فن القصة القصيرة، محمد مينو، 68].
والمزيني يعتمد أسلوب الجملة الوصفية الطويلة ذات الصور الاستعارية المميزة [ك/21]، وهذا ما يجعل الإيقاع بطيئا نوعا ما في المراحل التي تعيش فيها عائلة شقير أو أحد شخصياتها مرحلة انتقالية مهمة، فتبطئ وتيرة الأحداث في الأحداث الانتقالية المصيرية [ن/12 و20]، لكن هذه الهوينى تختفي في التنقلات الزمنية التي تمر بها الدولة السعودية [ن/32]، فنجد الإيقاع يتسارع مع الأحداث الاجتماعية المحيطة بصورة كبيرة أو نلحظ قفزات زمنية كبيرة [ك/96-99].
كما يظهر الأسلوب ذاتيا في المونولوجات الذاتية النفسية اليسيرة التي تنقل لنا حالات القلق والخوف أو السعادة، أو تتماهى مع تيار الوعي، وتتناثر بين فصول الكتاب، مثلا: [ك/261]، وفي هذه المونولوجات تتحدث الشخصية عن وضعها الراهن، ونادرا ما تتحدث من مستقبل السرد [ن/43]، أو ماضيه [د/255]، ونادرا ما تكون لغتها تقريرية [د/224]. وفي آخر صفحة من الثلاثية يستقل الراوي بنفسه عن خط السرد ليحكي بلغة تقريرية ما بعد أحداث الرواية مضمنا إياه سطورا مختصرة عن مصائر الشخصيات التي ظلت معلقة في النهاية [د/334].

ميتا ضرب الرمل

في ثلاثية المزيني نجد تضافرا بين الواقع في بساطته وعفويته والنص الديني المفهوم للإنسان المحلي البسيط، فالكاتب يوظف الثقافة الاجتماعية الدينية، منضما بذلك إلى عدد يسير من الروائيين المحليين الذين ينحون هذا النحو كرجاء عالم [الكتابة والمحو، معجب العدواني، 90].
ويركز المزيني على توظيف النص الديني لإظهار شدة تأثر المجتمع بالدين [ن/71]، إذ إن هوية الدولة نفسها دينية وشعبها مسلم [موقع وزارة الخارجية السعودية، النظام الأساسي للحكم، مبادئ الدولة]، كما يهتم بإبراز أثر الفهم الخاطئ للنص الديني في صناعة الإرهاب وإشاعته في المجتمع من طريق مبدأ الخرق والقتل والإقامة [د/12]، استشهادا بقصة موسى وفتاه [الكهف/60-82]، فيصور السرد كيف أن الانحراف في فهم النص الديني قد يؤدي بأفراد المجتمع إلى اعتناق دين جديد مختلف تماما عن السابق [د/238]، وكيف أن مبدأ الولاء والبراء [شرح نواقض الإسلام، صالح الفوزان، 157] قادر على أن يقسم المجتمع إلى نصفين: شياطين وملائكة [د/238].
وإضافة إلى النص الديني فالثلاثية تنتظم في طياتها الأسطورة والخرافة الشعبية، مثَلها في ذلك مثل كثير من الأعمال الإبداعية نثرا أو شعرا [الواحات المشمسة، 7، الحنش يعانق الحورية، صالح الحسن، 78]. كما أن العلاقة بالموروث الشعبي متينة جدا، جلي ذلك في الاهتمام العام في ظهور الحكاية والخرافة، وفي الاهتمام الخاص [تداعي الواقع في الحكايات، عبد الله العبد المحسن، 15]، ويتضح الأمر أكثر في عناية المؤلف الفائقة بوضع بناء محكم ينتظم داخله الأسطورة بحيث تكون هي الوحي المنتظر لتحديد مصير الشخصية الرئيسية [ك/98].

وفيما يتصل بالخرافة والأسطورة، نرى أن علاقة هذه الصبغة بموضوع الورقة هي: أن هذا الاستدعاء الأسطوري -المتمثل في العناية الميتافيزيقية بالشخصيات التي يتم إنقاذها عن طريق الأسطورية جملا [ن/23 و146]– يقدم لنا إشارة إلى حالات الإيصاد واللامخرج في المجتمع المليء بالكائنات المبتورة غير القادرة على الحلول [مدخل إلى مناهج النقد الأدبي، بيير باربيرييس وآخرون، 192]، فلا وسيلة للخلاص إلا الميتافيزيقية “جملا” بوصفها معادلا موضوعيا للتدخل الرباني -وهو ما يسميه الراوي “التعويذة” [ن/143و د/141]– أو الواسطة متمثلة في مساعي الشيخ مبارك، وتلتقي هاتان الشخصيتان اللتان تمثلان معادلة الخلاص في [ن/52].

حصاد

– أن الثلاثية امتداد للرواية الواقعية في الأجيال السابقة، لكنها مع ذلك عمل له هويته المستقلة.
– أن العمل ينتقد المجتمع نقدا أخلاقيا، بنقل أفقي لإرهاصات الطفرة وتداعياتها.
– استطاعت ضرب الرمل أن تدمج في ثناياها أغلب الظواهر الاجتماعية منذ عصر الملك سعود حتى زمن كتابتها.
– توصل الكاتب إلى النتيجة التي أرادها بعمل روائي فني، تضافرت فيه أدوات الرواية الاجتماعية من مكان، وشخصيات، وحبكة.
– واستطاع أن يوظف النص الديني والأسطورة والخرافة في رسم طريقة الصعود المتدرج على الهرم الاجتماعي.
– بدا للسرد الاجتماعي الأفقي أثره الواضح في الإيقاع والزمن والأسلوب.
– تبين أن العقد الروائي المنصرم لم يكن عقد طفرة عددية وحسب، وإنما خرجت من بينه أعمال ذات صبغة تميزها كضرب الرمل.
– تمكنت القراءة من إحراز تكامل ما مع النص الروائي، الذي أراد أن يقدم قراءة اجتماعية للأجيال الحالية والقادمة، عن العوامل التي أدت إلى المآلات التي يعيشونها في الراهن.

* نشرت مقتطفات منها في صحيفة الحياة بعنوان: الوشل… المزيني يرصد حصاد “خيبات” الطفرة.

المصدر
الموقع الشخصي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق