الدراسات‏دراسات خاصة
أخر الأخبار

شخصية الشاب المهمّش في الأدب السعودي.. شخصية البطل في رواية القندس أنموذجًا

د. زكيّة بنت محمّد السليس العتيبي*

 

المقدمة

يعاني شباب اليوم كسابقيهم في كلّ زمان ومكان من عدد من المشاكل والقضايا التي تعترض حياتهم في شتى قوالبها بدءً من حياتهم الاجتماعية مرورا بالعلميّة، والعمليّة, حتى الفكريّة.

وهم أمام هذه القضايا لا يملكون غير المواجهة بشتى الوسائل؛ لإزالتها, أو التخفيف من وطئتها.

وعلى الرغم  من تنوع  تلك القضايا باختلاف الزمان والمكان إلّا أنّ مشاكل  بعينها, يكون لها النصيب الأكبر بين هذه الفئات الأشد حساسية, وخطرًا على المجتمعات كالإدمان, والفقر, والعنف, والوحدة, والتهميش, والاغتراب, إلى غير ذلك من القضايا العاطفيّة, والأخلاقيّة.

والأدب السعودي كغيره من الآداب لم يُغفل تسليط الضوء على هذه القضايا بجعلها قضية لشخصية البطل, أو حتى  قضيّة للشخصيات الثانوية, والهامشية في الأعمال الروائية والقصصية.

والأديب السعودي كغيره من الأدباء؛ ابن بيئته, والأشدّ وعيًا بها, وبما يدور فيها, فعندما يُصوّر جوانب  مُهمّشة من الحياة, ويتناول بالوصف قضية  من قضاياها, يزيدنا وعيًا بها.

هذا ما اجتهد الروائي السعودي( محمد حسن علوان ) أن يوصله لنا من خلال شخصية  بطل روايته( القندس)  (غالب ),ذلك الشاب المهمّش, الذي فرضت عليه ظروف طلاق أمه من أبيه أن يعيش حياة التبعثر التي يزاولها أيّ شاب يمكن أن يمرّ بظرف كهذا, ويعاني بسبب هذا الظرف , وغيره حياة الوحدة, والتّهميش.

غالب شاب يختبئ في فلة خاصّة كما يحلو له تسميتها, وهي عبارة عن جزء من بيت والده الذي يتشارك فيه العيش مع أخوته لأبيه. يمارس هناك مع حلول الظلام كلّ ما يدور في ذهنه. ويصور الكاتب التفاصيل بطريقة تجعلنا نشك لوهلة بأنّ أحداث الرواية ربما تكون حقيقية.

في هذا البحث سوف أسلط الضوء على قضيتين شبابيتين هامتين هما:

أولًا: التهميش كأحد مسببات الوحدة.

ثانيًا: حلم الهروب من الوطن ؛ لإيجاد الذات بطريقة خاطئة.

سينتظم البحث في قسمين رئيسين:

  • قسم نظري.
  • قسم تطبيقي.

القسم النظري لخصته في التمهيد , الذي تناولت فيه حاجات الشباب الاجتماعية, والاغتراب, والتطبيع الاجتماعي, وتعريف الأنا, والهو في محاولة لرسم أبعاد شخصية البطل.

كذلك تناولت علاقة الشباب بالأسرة, وعالمهم الخاص, وجنوحهم الدائم للغضب, ونقص الخبرة في التعامل مع الجنس الآخر كواحدة من   أهمّ مشكلات الشباب, وقضاياه, التي ظلت في المجتمع السعودي من المسكوت عنه, ثم ختمت التمهيد بتعريف التهميش, لأجعل منه نقطة الانطلاق نحو التطبيق.

أما القسم الثاني فقد كان عبارة عن  التطبيق على بعض مقاطع الرواية التي أشارت بوضوح لبعض معالم التهميش, وبعض المشكلات الشبابية مثل: لاغتراب الوجداني, الاغتراب المكاني, الحياة على الهامش, السخرية الشبابية في مواجهة القضايا المؤلمة.

 

أولًا: القسم النظري

تمهيد

كان ومايزال الشباب المنزوع الأحلام؛ محور اهتمام الباحثين النفسيين, والاجتماعيين  في مختلف الدّول، فهم النار المخبوءة تحت الرماد، القابلة للاشتعال والإحراق في أي زمان ومكان.

هذه الفئة من المجتمع لها نمط عيش مضاد, لا يشبه غيره لما تشعر به من اغتراب, فالتطرف الفكري والسلوكي يترعرع وينشأ في ظل الفشل الاجتماعي تحديدًا, وفي ظل فقدان الاحتواء الحقيقي.

وفي ظل هذا التعثر؛ من الخطورة بمكان أن ندع  الشارع للشارع! حتى وإن ظلت هذه الفئة تمارس إفرازات التهميش داخل حيطان المباني.

يرى  الأستاذ (عزت حجازي)  أن الشاب العربي  يمر بمراحل من التصدع  بدءً من التصدع مع نفسه, إلى أن يجدها ثم مع عائلته نتيجة الهُوّة بين جيلين, ثم مع نظام (التعليب في التعليم) الذي لا يتناسب مع تطلعاته غالبا.

هذا الاكتشاف للذات المغتربة لايتم إلا بعد العديد من الأزمات على الصعيد الداخلي، حيث تبدأ مرحلة الكينونة المستقلة من عدمها.

الشباب العربي( شباب في مشكلات) أكثر منه (شبابًا مشكلا) فواقع بعضهم لايوفر لهم فرصًا كافية للإرضاء الذي يعينهم على مواجهة مطالب الحياة المتجددة. وهذا لايمنع من وجود الشباب المشكل العاجز؛ لعدم كفاية إمكاناته, وعدم سَوَاء نسَق قِيَمه وأساليبه وتصرفاته عن التوافق مع واقعه.

احتياجات الشباب الاجتماعية:

وللشباب حاجات اجتماعية منها:

  1. الحاجة إلى الاعتراف برجولتهم.
  2. الحاجة إلى الحبّ.
  3. الحاجة إلى دور ذي معنى في الحياة.

الاغتراب في مرحلة الشباب:

تقوم  فكرة الاغتراب على أساس التمييز بين وجود الإنسان وجوهره . والإنسان المغترب هو:” الإنسان الذي لا يحس بفاعليته. ولا أهميته ولا وزنه في الحياة”

وهو لا يحقق في نشاطاته الاجتماعية ذاته, ولا يشعر بالسعادة, ولا يُنمّي مهاراته , وهذا مانجده حاضرًا في رواية (القندس) مما اضطر البطل إلى أن يهرب من مجتمع لا يشعره بأهميته, ليرتمي بكلّ تسكعاته في أحضان الغربة.

وقبل أن نُعْمِل مبضع التشريح اللغوي في  الخطاب المتمركز حول شخصية البطل- لنستظهر من خلال اللغة معالمها- لابد أن نقف عند بعض المصطلحات النفسيّة في محاولة لفهم ردود فعل شخصية البطل(غالب) في الرواية.

التطبيع الاجتماعي:

التطبيع الاجتماعي أو التنشئة الاجتماعية واحدة من أهم ما يتعرض له الإنسان في المجتمعات البشرية وهو:

“العملية التي تستمر مدى الحياة والتي يتمثل بها الفرد القيم ,والمعايير, والرموز, ويتعلم ضروب السلوك التي تشيع في الحضارة؛  فيتحول من مجرد كائن بيلوجي إلى إنسان ناضج مؤهل, يشغل وضعًا, أو أوضاعًا في الجماعة”

الأنا الأعلى:

هو: “الضمير الذي يتجه بالشخص نحو المثالية ،يهدده  أو يعاقبه بالشعور بالإثم إن هو فرّط فيها”

ألهو:

هو: “جوانب الشخصية الكامنة في اللاشعور؛يضم الدوافع, والرغبات بخاصة الجنسية البدائية, والمضادة للمجتمع”

نقص الخبرة في التعامل مع الجنس الآخر:

من المشكلات التي تواجه الشباب: نقص الخبرة في التعامل مع الجنس الآخر، “فنتيجة لجهل الشباب بطبيعة التّحولات الجنسيّة، ونقص الخبرة ,قد يدفع الشباب إلى تبني طرق هروبية في التّعامل معها, ومن أمثلتها الحبّ دون تخصيص؛ وهي حالات يميل بها الشباب إلى الارتباط بعدد كبير من الجنس الآخر دون التركيز على شخص معين، ويحدث ذلك بسبب العجز عن الاختيار, وتفادي مواجهة مواقف

الحبّ الحقيقية.

مع أن هذا التصرف يصدر عادة عن عجز, لا اختيار؛ فليس من النّادر أن يُساء فهمه, فيؤخذ على أنه دليل على نوع من فساد الأخلاق, أو حتى الانحراف” .

ومن المشكلات التي تواجه الشباب العربي أيضًا :

“اتجاه الارتقاء النفسي الاجتماعي في الدّول العربيّة –خاصّة-إلى  إنكار الشاب لذاته, والبحث عن تحقيق التصالح مع أبويه, وقبول وضع التابع في علاقاته الاجتماعية الرئيسية, لا مساعدته في تأكيد ذاته والاعتزاز بها”

هؤلاء الشباب الذين يدخلون في مناطق نفسيّة لم يتم تكوينها من الناحيّة المعرفيّة بشكل صحيح؛ يميلون للاغتراب ؛فيتولد لديهم التردد, وعدم ثبات السلوك.

الشباب والأسرة:

تختلف الأسرة العربيّة عن الغربية بأنها تظل الحاضن الأوّل لأبنائها في سن الشباب؛ غير أنّ لعلاقة الشاب السّعودي بأسرته أبعادًا سلبيّة في حال تفكك الأسرة, وتصدّعها، ،منها ما يرجع إلي القصور من الأسرة في تقديم الاحتواء الكافي نفسيًّا وماديًّا، ،ومنها ما يرجع إلى الفجوة بين جيل الآباء, وجيل الأبناء ؛هذه الهُوّة زادت نتيجة لاتساع مجال حريّة الأبناء .

وفي المستويات الاجتماعية الدُّنيا؛ قد يشكو الشّاب من قصور الإمكانيات المادية في توفير مكان خاص للنوم مثلا, فيكون مكانه إمّا غرفة في فناء البيت الخارجي( الملحق) يُستقبَل فيه الضيوف, فليس ثمة استقلاليّة في الأمر, وهذا الأمر في المجتمع السعودي -في بعض حقبه- كان رمزًا للرجولة.

ومن المشكلات التي تواجه الشاب السعودي :مشكلة التمييز بين الأخوة في الأسرة الواحدة, وتتركز هذه القضية في تفضيل الذكر على الأنثى, ومنح الأخ الأكبر امتيازات تفوق ما يُعطى للصغار, مماينتج عنه فقدان طابع المودة والتكافل.

عالم الشاب الخاصّ:

يلوذ الشاب السعودي في منزله بعالمه الخاص ؛ المتمثل في غرفته أو ما يُسمى( الملحق),حيث

يخلق الشاب هذه الحضارة الخاصّة له, وفق معاييره  بعيدًا عن عالم الكبار المليء بالنفاق من وجهة نظره

وفي عالمه الخاص, سواء كان ملحقا أو استراحة, أو شقة, يتوحد فيها مع رفاق السن هربًا من سلطة الكبار, وتسلطهم؛ ففي مثل هذه التّجمعات يجد الشاب إشباعًا نفسيًّا ،ماديًّا لا يوفره الكبار له .

جيل الشباب الغاضب:

جيل الشباب بطبيعته جيل غاضب؛ غاضب من الأجيال التي سبقته, والمجتمع الذي ينتمي إليه.

فهم يرون أنّ الثوابت متحركة, وأنّ كلّ شيء مهتز؛ بل إنهم يُحمّلون جيل الكبار مسؤولية الآمهم؛ لذلك العالم  المخادع -في نظرهم-, هو الذي رفع شعارات توهم  الشباب بأنهم هم الغاية,  فيكتشفون أنهم لم يكونوا إلا أدوات تُستعمل في تسيير حركة المجتمع.

كلّ هذا ,أو بعضه, هو ما تحاول شخصيّة غالب اختزاله في رواية (القندس)؛ حيث جاءت شخصيّة البطل مغتربة, تبحث عن ذاتها من خلال الآخرين.

أهم قضايا الشباب في الرواية

١-انفصال الأبوين وتأثيرها على الأبناء.

٢- عدم الثقة.

٣- التفريق بين الأبناء.

٤- بخل الأب.

٥-دعاء الأبوين على الأبناء.

٦- إلتفاف الشاب حول الأكثر منه تهميشًا؛ ليجد ذاته.

٧-الترقيم والمعاكسات الهاتفية.

٨-عدم الزواج ممّن يحب بسبب قضية عدم تكافؤ النسب ( القبيلي, والخضيري, الاستعلاء الحجازي, والبداوة النجدية)

٩-العلاقات غير الشرعيّة.

١٠- تشدد المجتمع, وإحالة كلّ الممنوعات للدين.

١١- البحث عن الحريّة.

١٢- الارتماء في أحضان الغربة.

ولنا أن نسافر مع غالب(شخصية البطل المهمّش) ونقرأ من خلالها كلّ صور التّهميش الممكنة , ولكن قبل أن نتحدث عن التّهميش علينا أن نُعرّفه أولًا:

معنى التّهميش:

يُقال: إنّ (الهاء والميم والشين) : أصلٌ يدل على سرعة عملٍ, أو كلام  , والهَمَش هو: العضّ, وقيل سرعة الأكل , والهامِش حاشية الكتاب, وهو لفظ مُولّد.

إذاً  التّهميش من همّش الأمر يُهمّشه تهميشًا, فهو مُهّمِش,أيّ: جعله ثانويًا، ولم يجعله من اهتماماته المباشرة, وهمَّش الولد : أَهمله ,وتركه جانبًا.

والحقيقة أن علوان قد نجح في إيصال هذه القضايا, بل أزعم أنّه استطاع أن يجعلنا نرى معه بشاعتها, ونتمنى, ألا نرى صورها في عالمنا.

ثانيًا: القسم التطبيقي

صورة الشاب المهمش في الرواية

لقد نجح علوان -من وجهة نظري-في إظهار الشخصية الرئيسية(غالب) في روايته  بصورة مشوّهة, مسحوقة، هامشية؛ تُعبّر بصدق عن البؤس الحقيقي, الذي يعيشه ذلك الشاب في مجتمع تحكمه التناقضات -من وجهة نظره كشاب-, ما يجعل علوان في مصاف من أتقنوا كتابة (البيوغرافيا) , وتحديدًا (الغيرية) منها  -في حال كانت شخصية غالب حقيقية, أو لها من الواقع من يشبهها-.

ذاكرة الألم والاغتراب الوجداني:

تبدأ حكاية شخصية البطل المغتربة نتيجة التهميش من قوله في بداية حديثه عن القندس الذي شعر معه بالألفة :

” تأملت سنيّه البارزتين اللتين اكتستا لوناً برتقالياً شاحباً من فرط ما قضم من لحاء البلوط, والصفصاف ، فذكرني لوهلة بما كانت عليه أسنان أختي نورة… أما ردفه السمين فذكرني بأختي بدرية… وعندما رفع إلى عينيه الكلّتين محاولًا أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي… انتزع التمرة من يدي كما ينتزع أبي ثمار الحياة انتزاعًا… قبض عليها بيد شحيحة ذكرتني بيد أخي سلمان عندما تقبض على المال..”

إنّ هذا المغترب المُهمّش ليس فردًا عاقًا بعيدًا عن تفاصيل القريبين منه, فها هو يتذكر أدق تفاصيلهم, في مكان غير مكانهم, وزمان غير زمانهم.

لقد حضرت ذاكرة الألم في هذه التشبيهات, لاسيما عندما سلّط الضوء على أهمّ ما يتصف به والداه, وأخيه سلمان.

ركز على قراءة الملامح والنوايا في قوله:” وعندما رفع إليّ عينيه الكلّتين محاولًا أن يقرأ ملامحي ونواياي بدا مثل أمي”

أمه التي قال عنها في طيّات الرواية:” ورمقتني بواحدة من نظراتها التي تفحصني بها دائمًا مثل حقيبة تشك في محتوياتها”

يسترعي انتباهنا في كلا العبارتين التي تخص والدته, اختيار أداة التشبيه الاسمية(مثل) وليس(الكاف)أو(كأن) وغيرها من أدوات التشبيه الحرفية, والاسمية, والفعلية, وهو استعمال له دلالاته, “فاطلاق المماثلة على اتفاق اثنين في جهة واحدة يكون على سبيل المجاز”  والمعنى الذي تدل عليه هو “أن المحكوم عليه بالمماثلة متفقًا مع مايماثله في جميع الجهات التي يصير الاتفاق معه فيها على مثاله فيكونان جنسًا واحدًا يسد أحدهما مسد الآخر”

هذا الوصف على لسان البطل؛ جاء بمثابة اللقطة الفوريّة للشعور الدّاخلي الحقيقي الذي يشعر به, ويؤلمه في الوقت ذاته, بدلالة رده على والدته:

“شعرتُ بالاستفزاز, وأنا أتعرّض للفحص, فأجبتُ بحنق مكتوم: شـ  شـ  شـ  شششغل”

ثم تردف بنقدها اللاذع, وهو أحد مشكلات الشاب الذي يكسر حاجز الخامسة والعشرين دون زواج فكيف بالأربعين, بل تزيد, وهو عاطل عن العمل؟ !

تقدير الذّات عند هذا النّوع من الشباب متدني جدًا, فليس أمامهم إلا الهروب الكبير, خارج حدود الزّمان والمكان, بعيدًا عن  الأسئلة التي تلتهم كرامتهم في كلّ مرة تندلع في وجوههم كحريق, ففي حين يستعر لهيب الاستفهامات في كلام أم غالب وهي تقول له:

“أنت تحسب النّاس مايدرون, ولايتكلمون؟!

عديت الأربعين لا تزوجت ولا شفت لك شغل زي النّاس, وش تالية هالسفرات اللي مامنها خير؟!”

ليس أمامه, وهو الرّجل الناضج, صاحب العمر الممسك بتلابيب الحكمة إلا أن يتوجع من قراءة النّوايا, وانعدام الثقة, بل والتهميش في كلام والدته له.

يقول في تصوير ألمه:

” مع انتهاء عبارتها صُرّ في داخلي باب من الحديد, لا تعرفه .يُوصِد نفسه كُلّما راحت تصبّ عليّ تقريعها الثّقيل, ويحيلني إلى قلعة من الصّمت, والوحدة. أكنس من عتباتها كلّ ما في أعصابي من التّوتر وأُكّومه فوق لساني كالعادة, مثل حفنة من الغبار, والأغصان الجافة. مسحت بيدي على جبيني؛ لأتأكد أنّ صوتها لن يتجاوز إلى ما وراءه وتركت لساني يخونني كما تعوّد أن يفعل بي منذ عامي الرابع”

إنّها صورة حقيقة, تفوقت الكلمات  فيها في تجسيد مستوى الوجع.

إنّ الانزياح  الأسلوبي المبني على استعارة المفردات في أسلوب (علوان) لها دور كبير في تحليل الصّورة وسرعة امتزاجها في الدّاخل؛ ليشعر القارئ بالشّعور ذاته الذي يشعر به غالب في صدمته تلك.

أتذكر في حضرة ذلك المقطع قول المنفلوطي:

” وماظنك بقلب لايستدر العطف على المصاب, حتى يجمع عليه بين ضنك الفاقة, وتبريح السقم, ويأس الحبّ, ووحشة العزلة.. وسائر مايحيق بأشتات المعذبين في الأرض من صنوف الشّقاء, وضروب الهوان والحرمان؟!”

هذا المنلوج الدّاخلي؛ أبلغ تعبير عن الفقد المحزن, وما الحزن حقيقة إلا الشعور بالفقد معنويًّا كان أو ماديًا؟!

(صرّ- باب من حديد – يوصد – تصبّ – تقريعها – يحيلني – قلعة – أكومه)

كلّ هذه المفردات المشحونة بالقوة, شكّلت المواد الأساسية لاكتمال صورة الهرب من الألم المحتمل, ومسبباته.

فالصرير الذي يُعبّر به عن احتكاك يحدثه جسم يقاوم شدًّا, وضغطًا, ينتج عن انسحاق بعض المواد, هوأوّل ما يصادفنا من مضادات الألم.

كنّي به عن شدة مقاومته, لكنه لم يستطع منع بعض ألمه, واختار الباب الحديدي الذي لا تعرفه أمه ولا يجب أن تعرفه؛ لأنّه طريقة للتداوي من جراحها المتكررة بعدد زياراته لها.

ثم يأتي بلفظة(يوصد)بمعنى: يغلق, إلا أن هذا الاختيار ذهب بالمعنى في السياق إلى مناطق أبعد, حضر فيها معنى الضيق, والإرهاق.

ثم عبرّ عن كلمات والدته الجارحة بالصّب لا السّكب؛ لأنها لا تنسكب, وتذهب سريعًا, بل تهبط عليه كما تُصبّ التّماثيل عند إفراغها في قوالبها؛ لتحافظ على شكل واحد ثابت.

فألمه لا يسيل بعد السّكب فيزول, بل يبقى وجعه محنطًا كتمثال؛ لذا كانت مقاومته لهذا الوجع الصّلب قويّة توازي قوة إيلامه.

ويختار لكلمات والدته الموجعة لفظ (التقريع) لا(اللوم),والتقريع في اللغة يُعبّر به عن اللوم والعتاب الموجع.

ويختار لفعل الوجع الفعل(يحيلني), للدلالة على أنه يتحول من حال إلى حال فور سماعه لذلك الكلام القاسي.

ويختار صيغة الفعل المضارع للتعبير عنه مما أكسب المعنى حركة, وتدفقًا؛ ليدل على استمرار الوجع, وتجدده عند كلّ زيارة.

ويعبر عن الحال الوقائية التي تحوّل لها بـ(القلعة) وهي الحصن الممتنع في الجبل, ويختار أن يكون قلعة من الصّمت, والوحدة, فيقضم لسانه, ويعود كطفل الرابعة الذي كان يصمت كُلّما عُوقب, وفي هذا دلالة على شعوره بالإهانة-؛ فليس من السهل على رجل أربعيني وصل سن النبوة أن يبتلع الإهانة, ويصمت, على الرغم من ارتفاع (الهو) عنده على( الأنا )كما جاء في تفاصيل الرواية.

ويختار للتعبير عن صمته لفظة أخرى مشحونة بطاقة هائلة؛ لتعبر عن المراد, فيأتي فعل التكويم مضارعًا, لتستمر الحركة, والتجدد, في منح الصّورة مشهدًا متحركًا له دلالة يريدها أن تصل, مأخوذة من معنى التكويم وهو: جمع الشيء, وإلقاء بعضه فوق بعض, في لوحة خاطفة, تستدرج الماضي الذي تكررت فيه تلك المشاهد القاسية.

ينتهي المشهد مع أمه بأقسى ختام لا ينتظره الأبناء من والديهم أبدًا:

” رح الله لايردك. ماأبي منك شيء.. جعلك ماترجع” تاركة له فقاعات من الأسئلة يختصر ردة فعله تجاهها بقوله :”كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي علي منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟!”

أقسى صور الإحباط هذه المشكلة التي تحدثنا عنها في مقدمة البحث, وهي مشكلة الارتقاء النفسي الاجتماعي؛ حيث يضطر الشاب إلى إنكار ذاته, والبحث عن تحقيق التصالح مع أبويه, وقبول وضع التابع في علاقاته  بهما, من باب البر , وهما يمعنان في تعذيبه, وإيلامه, فيفقد احترامه لذاته, واعتزازه بنفسه .

تأتي اللوحة الثانية, وهي واحدة من أهم افرازات التهميش الذي قاساه غالب عقب اكتشافه بأن الهوة كبيرة بينه وبين والديه, فاختار أن يعيش في الدعة مع نزواته, فجاءت غادة كمنقذ له من التهميش, فهي وداوود, يكادان أن يكونا الوحيدين الذين يشعر معهما بكينونته, يقول عن هذه اللوحة:

” علقت غادة بصنارتي التي رميتها بلا مبالاة في أحد شبابيك جدة ولم أعوّل عليها أن تعود بشيء. لكن الذي يعرف جدة يعرف أنه عندما يكون الموسم ربيعاً يلقي البحر على المدينة أطنانًا من اللقاح الذي يتنفسه الناس ولا يرونه. يصبح الحب حالة عامة والشوارع مليئة بالقلوب الخصبة.”

توثقت علاقته بغادة من خلال مهاتفاته الليلية في(مكانه النائي في بيت والده), وبعض اللقاءات السرية,وكان من المستحيل أن تنتهي هذه العلاقة بالزواج, فيتحدث عن مشكلة ثانية يعاني منها الشاب السعودي وهي عدم تكافؤ النسب, يقول عن هذه القضية التي لم تحل حتى يومنا هذا, بل تجاوزت مستوى الحلول؛ لتصل  إلى حدود الطلاق بمباركة المحاكم في المجتمع السعودي:

“كان رأي أبي معلومًا لي قبل أن أضطر لمفاتحته، تمامًا مثلما تعلم هي مسبقًا  رأي أبيها.

كل من العائلتين كانت تتعالى على الأخرى؛ مما جعل المعادلة أصعب فعزفنا عن حلها قبل أن نحاول… كانت غادة عاشقة مثالية لفتى صاخب, ولكنه لن يتزوجها مطلقاً, كما تقول القبيلة التي في دمه، وكنت عاشقاً لحوحاً لفتاة حرة, ولكنها لن تتزوجه أيضا كما تقول المدينة في دمها.

هكذا تركنا القصة مفتوحة دون تدوين تفاصيلها حتى إذا اضطرم الحب بيننا؛ رمينا باللوم على الآباء، وشتمتْ هي جنوبي المتخلف, وشتمت أنا حجازها المتحذلق. أما إذا خفت الحبّ, وتحوّل إلى علاقة باهتة كتلك التي نعيشها اليوم تذكرنا معاً بأنها ربما جاءت أبهت لو كنا تزوّجنا فعلا.”

هذا السيناريو الذي ربما يجيء على لسان ألف غالب, وألف غادة, كأنه مقتطع من الواقع, حيث العلاقات الآثمة تتضور جوعًا, وتلتهم القيم, في ظل التهميش, والشعور بالاغتراب  في مجتمع لايقيم له وزنًا,حتى لو جاءت كلماته, وأفعاله مهذبة مع أمه كما مر بنا, سيظل في عينها متسكعًا يجلب لها العار.

تستمر العلاقة حتى يصل كلاهما لسن الأربعين, فهما يلتقيان في مدن مختلفة , يظل غالب سجين وحدته بعد كل لقاء، فيقرر أن يعتزل في (بورتلاند),و يفني أيامه في التصعلك, والشرب, بعيدا عن سلطة الدين, والمجتمع المحافظ , ويظل باقيًا على اعتزاله لكل ذلك العالم الذي يهمشه, فوحدها كانت تشعره بقيمته, وهو الفوضوي العاطل, الذي يصب عليه والديه الدعوات صبًا.

ويأتي اليوم الذي يستيقظ فيه غالب على صوت الحقيقة التي تخبره بأنّ كل ما مضى مع غادة كان مجرد نزوة لا تستحق كل هذا العمر, يقول في ذلك:

“إنّ علاقتنا برمتها لم تكن أكثر من صدفة غير متقنة. الآن اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة أن الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة.”  ـ

هل كان بحاجة لكل هذا العمر؛ ليكتشف كم نزوة مرّ بها, بسبب شعوره بالتهميش, والاغتراب من فجوة بشرية نجمت من تصدع علاقة أبويه, وتفضيل والده لأخوته غير الأشقاء عليه؟!

علاقة غالب مع والده أخذت منعطفات كثيرة من السرد عند علوان, حيث ظل غالب معتزلًا أخوته؛ فاحتل سلمان-أخوه غير الشقيق- مكانة عالية عند والده بارتداء ثوب التدين, الذي حاول التخلص منه بعد الجشع, ولم يفلح, لقد نجح في أن يستميل قلب والده الذي أخذ طريقه نحو الثراء والشيخوخة معًا, ثم يعود غالب في ختام الرواية من (بورتلاند) بعد وفاة والده؛ ليقتسم مع  أخوته الورث قبل أن ينصرف كلّ واحد منهم إلى حياته.

صورة مريعة للتفكك الأسري, ظلت فيها شخصية البطل على نفس المسافة من الشعور بالاغتراب, والوحدة.

الاغتراب المكاني:

وصل الاغتراب إلى أعلى مستوياته التي اضطرت البطل أن يغادر الرياض إلى عدة دول ( مصر- لندن-بورتلاند), يقول راسمًا صورة تكاد أن تكون هي الأصدق في المجتمعات الصحراوية:

“تحتاج الحياة في الرياض أحيانًا إلى حوادث ,ومستشفيات حتى تنكشف مشاعر الذين يحيطون بنا.”

وفي عودة غادة إلى مقر إقامتها بعد كلّ لقاء مسروق يقول:

” بعد ذلك تعود إلى لندن حيث تعيش, وأعود إلى الرياض حيث أموت” .

ويقول:ـ

“عندما أطفأتُ شمعة السادسة والأربعين؛ شعرت بأنّ الرياض مملة, ومتربة, وليس لديها ما تمنحني إياه.” ـ

إنّ الاغتراب المكاني, يأتي على هيئة رغبة ملحة في الهجرة , والابتعاث, والعيش في مجتمع أكثر انفتاحًا اجتماعيًا, وهو  وإن كان لا يرتقي إلى أن يُشكّل ظاهرة عند الشاب السعودي, إلا أنها أصبحت هاجسًا عند بعض الشباب الذين يرغبون في التغيير, والانفتاح؛ أولئك الذين ملّوا من حراسة نواياهم على يد الغير- كما يرون- ومصادرة أفراحهم الشبابية التي يتطلعون إليها.

وحول ظاهرة الاغتراب عن المجتمع, ظهرت إحصائيات غير رسمية تقدر عدد المهاجرين من السعوديين بمليون مهاجرا, بعضهم اختار السكن في دول عربية أكثر انفتاحا كمصر ودبي, وبعضهم إلى تركيا وبعض الدول الأوربية لأسباب اقتصادية, واجتماعية كما تزعم المقولة,  التي فجرها الدكتور:

(صدقة فاضل) – عضو مجلس الشورى السعودي سابقاً – عندما ذكر أنّ المهاجرين السعوديين في الخارج يمثلون 5 % من عدد سكان البلاد على حدّ قوله، مطالبًا بدراسة أسباب هذه الهجرة.

يقول الكاتب السياسي الدكتور: (خالد الدخيل): هناك أسباب كثيرة لهجرة المواطن خارج بلده؛ مستبعداً أن يكون العامل السياسي سببًا في هجرة المواطن السعودي، ولفت إلى وجود عوامل اقتصادية واجتماعية لا يمكن استبعادها …يلجأ البعض إلى الإمارات؛ ولكنها تعد أكثر تكلفة من العيش في الرياض.

وقال عن الإحصائية السابقة: “لا توجد معلومات مفيدة للتحليل، ولا بد من وجود معلومات مؤكدة عن المهاجرين؛ حتى لا تزيد مساحة الاحتمالات, والتكهنات؛ موضحًا أن العامل الاجتماعي ربما يكون الأقوى؛ حيث نشأت طبقة منفتحة اجتماعيًا، وسياسيًا، وبدأت تتمرد على الوضع الاجتماعي المحافظ، وباتت تبحث عن الانفتاح في دول مجاورة.”

هذه إذن واحدة من أهمّ مشكلات الشباب, حيث نشأت فئة شبابية منفتحة على الآخر من خلال ماتبثه القنوات, والنت, فبدأ الشاب السعودي يقارن, ويطالب, ولعل قضية السينما التي لم تحل بعد, واحدة من مظاهر تلك المقارنات.

هذه الشريحة المتمردة, التي ملّت وصايا الأشخاص في المجتمعات المحافظة كالمجتمع السعودي تولدت لديها رغبة في الهروب الكبير فرارا من تلك المحاصرة, فهم ليسوا كجيل الآباء الذين يرون أن من أكبر نعم الله على هذا المجتمع محافظته, وتدينه, فقد بدأوا يُسفّهون من تفكير بعضهم البعض, ويسخرون من أولئك الذين ينعتونهم بعبيد التبعية في مواقع التواصل كما حدث في مطالبة عودة عمل الهيئة.

السخرية الشبابية في مواجهة القضايا المؤلمة:

أصل التسخير: التذليل، جاء في لسان العرب: “سَخِرمنه هزئ به و قهره, وذلله, وكل مقهور مدبر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر مُسخّر”

والسخرية  فن کسائر الفنون الأدبية مثل القصة، و المسرحية, تعد طريقا لتمرير الجوانب الانتقادية, بلغة ممزوجة  بروح الفكاهة الناتج عن الآلام والمضايقات.

وهذه الملكة تنتج عن حدّه الذکاء، والتنقيب وفي نفس الوقت،يقول الدكتور (أبو القاسم رادفر) :

“إنّ الأديب الساخر يجب عليه اختيار لغة خاصة لينزِلَ بواسطتها، سياطه علي ظهر قاطبة القصورات والرذائل المجتمعية، وعلی کلّ من کان سببا من أسباب آلام الناس، وشقائهم، منتقدا إياهم بأية طريقة ممکنة. فليختر الأديب الساخر لغة تحتوي علي لغات، ومفردات، وتراکيب، وعناصر بلاغية خاصة قابلة للتأثير في جميع الجوانب المذکورة، والغلبة عليها؛ لأن “کل کلمة, وعبارة ساخرة تمثّل دنيا مليئة بالعجائب, والخيالات؛ فالأديب الساخر بتداعياته السحرية, يجمع الکلمات, والتراکيب المناسبة, أو غير المناسبة؛ لتجذب ,وتدفع بعضها البعض کالألوان في الرّسوم, والأصوات في الموسيقي.”

فالسخرية تعتبر طريقًا خاصًا للتعبير عن القضايا التي تدعو إلى الانتقاد في المجتمعات بلغة ساخرة ملؤها المزاح, وهي مرآة صادقة للحقيقة ,و طريق للتعبير عن الاضطرابات، والمساوئ، والسيئات، ومعايب الفرد والمجتمع .

وعن جماليات السخرية يقول:”نري في الجوانب الکنائية، والاستعارية للسخرية قوة، إذ يعتمد المضمون، والفکرة فيها علي التجارب العلمية کأنها صادرة عن شخص بعينه في المجتمع، أو موضوع محدد، غير أن المجتمع يتعّهد تسجيلها، ورواجها، واستمرارها. فرواج السخرية ضرورة تقتضيها لحظات التعب، والضعف في الروح، أو الجسم… ومن سمات السخرية أنها تواجه الأوساخ، والانحرافات، والنقائص وتناضل في سبيل تقويضها”

حاول( ألفرد أدلر)  أن يحلل السخرية كانفعال مركب إلى الغرائز البسيطة التي تتركب منها، فقال:

“هي خليط من انفعالين هما الغضب والاشمئزاز: فنحن إذ تثور فينا غريزة النفور نشمئز، فإذا عدا الشيء الذي أثار اشمئزازنا على صفاء عيشنا، من أية ناحية من النواحي، بعثت فينا غريزة المقاتلة, والانفعال المقترن بها، وهو الغضب، فدفعا بنا إلى السخرية مما بعث اشمئزازنا أو مما أثاره في نفوسنا. ولا يخلو هذا من عنصر الزهو؛ لأننا ننزع إلى الرضا عن أنفسنا والاسترواح إلى شعورنا، عقب مطاوعة السخرية والانسياق معها”

إذن هي تأتي بحسب الطبيب النمساوي, بقصد اللذع والإيلام ؛ذلك لأن السخرية طريقة غير مباشرة في الهجوم, فهي ناتجة من الضعيف للقوي.

والكتابة الساخرة تحتاج إلى “مصارحة الذات أولا قبل مصارحة المجتمع, وتعمد إلى تكسير جميع الحواجز اللغوية والأدبية؛ لتكون الرسالة أقوى من طلقات الرصاص”

فهل وصل بطل الرواية إلى مستوى المصارحة مع الذات؟!

نعم !

لكنه لم يصل إلى مستوى التصاح معها, بدلالة هذا النقد اللاذع حتى على مستوى الشكل الخارجي, فالسخرية, بل والأدب الساخر عامة ماهو إلا “كوميديا سوداء تعكس أوجاع المواطن السياسية والاجتماعية فيقدمها بقالب ساخر يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجرا في القلب.. والكاتب الساخر هو من يحول الألم إلى بسمة والحزن إلى إبداع… الكتابة الساخرة تعني التمرد على الواقع.. وثورة فكرية ضد البديهيات التقليدية.. كانت سياسة أم اجتماعية وهي العكاز الذي يتكئ عليه الكاتب الحر.. ليقوم اعوجاجًا في أعماق نفسه.. إذ إن السخرية رغم هذا الامتلاء الظاهر بالمرح والضحك والبشاشة.. إلا أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع.. إنها مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي..و يعلق البعض بأن الكتابة الساخرة.. ولدت مع أول عربي تأصيلا للمثل القائل:” شر البلية مايضحك”

جمالية النص الساخر تكمن في “أن يكون بياناً سريّاً بين الكاتب والقارئ، بين الهمّ والضحكة، بين الوجع وصاحبه، بين القلم والممحاة كرسائل العشّاق سرية وخجولة وبينية، يكون البوح الهادئ فيها بين حمرة الجرح وحمرة الشفاه، بين الحرف والحرف، بين الغرّة والشال.. فالسخرية قهوة الكادحين… والضحك دخانهم المجاني”

والسخرية “فن مائي يتسرب إلى فنون القول كلها فنجد كاتب المقال الساخر والقصة الساخرة وكذلك الرواية والقصيدة، وأعظم مانجد الروائي الساخر صاحب النفس الكبير في السخرية والتهكم على الواقع بشكل مميز ومحبب لدى المتلقي.”

والسخرية -وإن راج عنها أنها أدب المهمشين, إلا أنها من وجهة نظري- أدب المهمشين المؤمنين بأن لديهم الكثير الذي يستحق أن يُحتفى به, فالشعب المصري على سبيل المثال شعب ساخر بطبعه, صدّر للعالم العربي روح النكتة بثقافة علية وحس نقدي لاذع, لكنه شعب مثقف,بل عالي الثقافة, خذلته الظروف الاقتصادية, فصار مهمشًا, وهو لا يستحق التهميش.

ولعل شيئًا من هذه الصورة مبثوث في شخصية غالب الذكي اللماح, الذي يختار حياته الخاصة في وسط مجتمع عائلي لا يجيد غير انتقاصه.

إذن هذا الوميض الساخر الذي نجده مبثوثا بين فينة وأخرى  على لسان البطل, هو نتاج الضعف والتعب الذي خلّفه شعوره بالوحدة, والتهميش, والاغتراب وهو يجد في نفسه الكثير المستحق,و يصل هذا الوميض الساخر ذروته  في محطات التكبل بالألم كنوع من التنفيس, أو إيجاد ردة فعل  غير الصمت أمام أمور موجعة, منها على سبيل المثال لا الحصر قوله:

” آثرت أن أؤجل فضولي حتى أعود إلى شقتي في المساء وأنقب عنه في الإنترنت أو أسأل كونرادو، جاري الفلبيني السمين، لأنه يعرف الكثير عن الحيوانات .ألم يقل إنه كان صياداً قبل أن تخترق ساقه طلقة بندقية خاطئة ، فأصبح سباكاً حتى داهمه زوج ضخم وهو يضاجع زوجته في حمامها الذي كان يصلحه، فأصبح سائق تاكسي حتى اعترض موكب رئيس حزب التحالف الفلبيني فحطموا سيارته، فأصبح كهربائيا حتى الآن؟”

وهو هنا يُعرّض بكذب جاره الفلبيني الذي يضطر إلى مسايرته كشخص قد يحتاج إليه عندما تداهمه الوحدة.

لم تقف سخريته عند هذا الحد, بل إنه سخر حتى من شكله, مما يلفت الانتباه إلى مقدار الوجع الذي يشعر به كلما عبر هذا الموضوع ذاكرته, وربما هو يسخر هنا بحثًا عن التداوي, تنفيذا للمقولة الشهيرة:

” إذا أردت أن تتشافى من جراحك أسخر منها”

يقول في ذلك:” ترهل خداي وعنقي مثل عجين اختمرت طويلاً. بعد ذلك جمع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا وبعثرها مرة أخرى بمعرفته..”

وفي ألمه من دعوات والديه, يقول ساخرا:

“خرجت على سيارتي وأنا أفكر كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي عليّ منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟ هل من المعقول أنه لم يتخذ قراره بشأنها حتى الآن؟ أتراه يمهلني.. أم يمهلهما؟”

وفي نقمته على طريقة والده يقول:

“منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفّر بالدّين واليتم وهو يشعر بأنها حريق كبير يوشك أن يأخذه؛ ولذلك ربّانا جميعاً كفرقة إطفاء.”

ولعلنا هنا نعود لماذكرناه في التمهيد من أن الأسرة السعودية ليست كباقي الأسر في العالم العربي؛ لأنها تظل الحاضن الأول لأبنائها في سن الشباب كما أن علاقة الشاب السعودي بأسرته قد تأخذ لها  أبعادا سلبية في حال تفكك الأسرة وتصدعهاكما في حالة بطل الرواية، ,كما أن منها مايرجع إلي القصور من الأسرة في تقديم الاحتواء الكافي نفسيا وماديا،, وهذا ماحدث بالفعل مع شخصية البطل الذي اختار كل واحد من أبويه له حياة أخرى وظل هو في مهب الريح  ،كماأن منها مايرجع إلى الفجوة بين جيل الآباء وجيل الأبناء,و هذه الهوة تحديدا زادت نتيجة لارتفاع سقف حرية الأبناء, فغالب شاب لايريد التقيد بعمل ولازواج, يختار التسكع على الحياة الجادة؛ لذا ارتضى أن يظل على علاقة غير شرعية ترضيه ولاتسلب منه.

والد غالب , أب غير عادل, فهو يفضل أخاه عليه, وهذه -كما أسلفنا- واحدة من أهم المشكلات التي تواجه الشاب السعودي (مشكلة التمييز بين الأخوة في الأسرة الواحدة) وعلى أن الصورة الاجتماعية الأكثر وضوحا في هذه القضية تفضيل الأخ الأكبر على بقية أخوته ,ومنحه امتيازات تفوق مايعطى للصغار,إلا أن غالب-وهو الابن الأكبر- لم يُمنح هذه المكانة المتعارف عليها, بل فُضّل أخوه الذي يصغره عليه, وهذا الأخ غير شقيق ممايزيد من مرارة الاغتراب, وينتج عنه فقدان المودة والتكافل الأسري كما مر بنا.

عالم الكبار مليء بالنفاق من وجهة نظر غالب, يقول في ذلك:

“منذ وصل أبي إلى الرياض ووجهه معفّر بالدّين واليتم ”

وفي هذا تعريض باستخدام التدين كقناع لمن هو في مثل حالة والده- العقاري الشره-.

وتطال سخريته الحبّ الذي عاش معه عشرين عامًا, فيقول عن غادة بعد أن اكتشف هشاشة العلاقة, وجرب أن يعيش معها في بيت واحد, ويراها بكل تفاصيلها التي  فطن من خلالها  إلى أنهما لايصلحان كزوجين بقوله:

” الحقيقة التي كشفها استيقاظنا معاً في الصباح على أمزجة متناقضة, وصمتنا الطويل في المساء أمام برنامج تلفزيوني ، هي أن علاقتنا برمتها لم تكن أكثر من صدفة غير متقنة . الآن اكتشفت بشعور مختلط بين الألم والراحة أن الجوهرة الصغيرة التي احتفظت بها في صندوق مخملي في أقصى القلب كانت مزيفة ولا تستحق سوى ثمن بخس من النزوات الطارئة.”

يقول ساخرًا من ذلك الحبّ الذي استيقظ على حقيقة أنه نزوة:

” تخيلت أنها إذا استطاعت أن تخلع حذاءها بعد عشر دقائق فقط في شقتي فقد تخلع زوجها إذا أقامت هنا أكثر من أسبوع.”

هل شفي تماما من هذا الحب؟!

هل عاد عن غيه؟!

هل وصل إلى مرحلة عالية من الوعي بأن كل ماكان يفعله ماهو إلا نزوات لا تستحق أن تستهلكه إلى هذا القدر؟!

يقول في ختام فصول حكايته معها:

“راحت تمشي فوق السرير وهي تضحك بخفة, أبديت اندهاشًا وإعجابا مصطنعين, بينما سجد في داخلي رجل أشيب شاكرا الله على رحيلها القريب…ليتها لم تكافئ الرجل الذي أعجبها نبله بالتنكر على شكل عاهرة.. حاولت أن تجعلني أرقص, فاعتذرت بكاحلي الملتوي, وقلبي الذي يكاد يتقيأها خارجه. أخيرًا هجعت إلى جواري مثل كومة ذنوب”

ويقول :

“وأنا أتقلب في فراشي متحينًا فرص النوم, فكرت أن غادة خرجت من حياتي بطريقة تافهة تمامًا مثلما دخلت من قبل بطريقة تافهة.”

إذًا رحل حبّ النزوة! فهو الآن رجل أشيب, يريد شكر الله على رحيلها من شقته وبالتالي من حياته, التي أخذت في خط مراسيم لفظها خارج قلبه, خروجًا ليس عاديًا, بل على هيئة قَيء!

والحقيقة أن هذه المفردة كافية للتعبير عن حجم الكره لهذه العلاقة في هذا العمر؛ فالقيء كما هو معروف هو: “ماتقذفه المعدة عند اضطراب النفس, وهو إفراغ مافي الجوف”

فهو خروج نهائي من حياته, حتى  صار يرى أن هجوعها الحالي ليس كأي هجوع سابق لها معه, فماعاد يراها غير كومة ذنوب, فهل انتبه لعلاقته مع ربه بسبب العمر أم بسبب فقدانها نظارتها؟!

هذا الاغتراب  الذي ظل يطارده جرحه من والده فيه  أعمق من جرحه من أمه التي اعتاد منها الحوقلة, والتذمر والدعاوي عليه بالمجان, يقول بعد وصوله القاهره:”طلبت من باسل أن يضع في حسابي بعض المال ففعل, وأظنه لم يستشر أبي في ذلك.لابد أن أبتعد عن طريق هذا المسن المجنون بعض الوقت؛ لأحمي نفسي من سيل سباب آخر يكمل بعثرتي”

هل قضية غالب مع والديه لعدم الاحتواء, أم لتدليل كل منهما لأبنائه الآخرين, أم للدعاوي المجانية من كليهما؟!

اغتراب كبير أن يكون تهميشك على يد من جاءوا بك لهذه الحياة. إذا لفظنا المقربون جدا فكيف بالبعيد؟!

الحياة على الهامش:

إنّ غالب الذي يشعر بأنه هامش في حياة الآخرين, كان يتألم وإن ارتفع صوت السخرية عنده.

لكنه لم يفعل شيئًا ذا بال؛ ليصنع له مكانة كتلك التي كانت في مراهقته, فهو يختار التهميش, ويختاره.

فالتهميش نوعان:

“تهميش من داخل الشخص، وآخر من الخارج، بمعنى أن يسعى الإنسان إلى تهميش نفسه, وتعطيل قدراته، والآخر أن يهمشه الآخرون رغم قدراته المميزة وامتلاكه رؤية غير تقليدية يستطيع من خلالها أن يبدع”

إنّ القارئ للرواية سيرى بأن غالب يتخذ قراراته في الترك دون أن يترك مساحات واضحة للعودة, حتى أصبح يعمل كروبوتان في علاقته مع الآخرين, ومن جميل ماقيل في توصيف هذه الحالة ,ماكتبته نجوى هاشم في مقال لها في صحيفة الرياض:

” في الحياة الخاصة تكون الحقيقة أحياناً غالبة فتغمرنا بقوتها الجبارة. فمثلاً عندما يختلف البعض مع بعضهم لا يتركون أي مساحة هامش من الممكن الوقوف عليها ذات يوم والعودة من خلالها

لا يتركون أي هامش من الممكن أن يشكّل جزيرة للتلاقي، ويمكن خلاله محو الوجيعة

في هذه الحالة يكون التحطيم هو سيد الموقف والسبب الرئيسي أن العلاقة نفسها بنيت دون هامش يستند إليه، دون حاجز ينبغي عدم تجاوزه، دون مسافة فاصلة تصلح لأن تكون هامشاً للتفاوض

ولذلك عندما تغلق أبواب علاقات إنسانية كاملة يكون الأساس بها تحطيم كل المرافق، وتعتيم كل الأمكنة دون ترك فرصة لضوء يخترق المكان”

هنا الهامش لرأب تصدعات العلاقة بين من يشعرون بالتهميش, ومن همشوهم, لكن غالب لم يفعل شيء من هذا, ولم يجرب.

كان يتحين الزلات من والديه تحديدا؛ لتقوي رغبته في الهروب من المدينة, بل من الحدود التي تجمعه بهما, هربا من القهر والرضوخ والاستكانة.

إنه يعد إقامته تلك, مرحلة من مراحل القهر التي يحتاج معها للهروب ليحافظ على بعض ماتبقى له من شخصية.

هذه المرحلة المعتمة  تشبه ماتحدث عنه الدكتور حجازي في كتابه (مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) بقوله:

“تتمثل عدوانيته غير المعلنة على صورة قهر ذاتي ومشاعر إثم دونية”

كذلك عقدة النقص عند غالب, البارزة في شعوره بالدونية, وانعدام الثقة في الآخر واحدة من  الركائز التي تعتمد عليها سيكلوجية القهر,  إنه يخجل من ذاته, ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله.

شخصية غالب المتمسكة بالمظاهر لستر بؤسه الداخلي وهو يكرر:”عندما ذهبت لفلتي” وهي عبارة عن جزء مجتزأ من بيت والده؛ ليجعل من جرحه نرجسيا قدر المستطاع, فالكرامة عنده تشكل أهم مواطن وجوده, فلأجلها هرب, ولأجلها عامل الآخرين بالمثل من التهميش؛ لتكون حياته تهميشًا متبادلا.

يقول عن تهميش والده له,هو وأخته نوره:

“لم يبدُ آبها بوجودنا حوله. تعلقت عيناه بشاشة التلفزيون وهو يتابع أخبارًا عن بلد لايعرفه أصابته هزة أرضية متوقعة…انخفضت أصواتنا حتى الهمس ورحنا نتكلم في شؤون يومية؛ لنكسر الصمت المحرج الذي يخيم على غرفة أبي كلما زرناه فلا نجد شأنا نتحدث فيه معه”

إنه يشعر بوخز كرامته” لنكسر الصمت المحرج” محرج من أنه لم تعد لديه نقاط التقاء حوارية مع والديه, ومن أن والده يمارس معه التهميش حتى في وجود شريك له في ذلك التهميش, مما يدلل على حساسيته الشديدة تجاه هذا التهميش المرتدي ثوب الازدراء.

فاختياره للفظة(حرج) لم يكن اعتباطًا؛ فهذه الكلمة لها مدلولات نفسية تذهب إلى مناطق  الضيق, والشدة, والشعور بالإثم  تجاه الذات.

هذه القضية أيضا واحدة من قضايا الشباب تتلخص في الفجوة بين جيل الآباء والأبناء, وتزداد الفجوة مع التمييز بين الأبناء كما أسلفنا.

لقد توصل غالب إلى أقصى مراحل الاغتراب, يقول عن زفاف أخته المتسبب في تأخير سفره:

” رحت أعد على أصابعي مايجب علي القيام به قبل سفري الوشيك الذي أجلته شهرين حتى يتسنى لي حضور هذا الزفاف الممل”

وعن بدريه أخته الشقيقة يقول:

“رغم أنها شقيقتي الوحيدة, وعلينا أن نقول لبعضنا البعض أكثر مما نقوله لبقية إخوتنا غير الأشقاء, غير أننا لم نفعل ذلك قط”

“إنها لاتهاتفني أصلا إلا لأنها تعتقد أن من العيب أن يتنافر الأخوة في هذا العمر, أما دون ذلك فلاشيء يؤكد لبدرية أن ماتفعله هو عين الصواب”

“هل تعبأ أمي إذا ماعشت معها في مدينة واحدة رغم مايفصلني عنها من أميال روحية هائلة”

“روحي الصائمة عن الثقة منذ ولدت”

” لم تكن أمي تريد أبي ولاهو يريدها”

“زارتني شيخة في اليوم الثالث معتذرة بأنها لم تستوعب الصدمة.أخي حسان قبل جبيني لأول مرة في حياته بدافع الشفقة ثم ترك المكان بعد دقائق وكأنه يعود شخصًا غريبًا وليس أخاه الأكبر”

كلها عبارات توحي بشعوره العميق بالاغتراب نتيجة التهميش المتعمد من أفراد عائلته مع اختلاف المسافات قربًا وبعدًا.

هذا الاغتراب يستحثه حتى وهو على سرير المرض أن يعيد ترتيبهم بحسب عاطفتي: الحب والكره, فيقول في ذلك:

” حاولت وأنا ملقى على السرير أن أعيد ترتيب قائمة الحب والكراهية لكل أفراد عائلتي”

“حتى إذا هممت بتقبيل رأسه تظاهر بأنه يفتش عن شيء ما إلى جواره؛ لتفقد القبلة طريقها ولا تكتمل التفاتة البر العابرة”

إن والده يحسده حتى  لحظات البر!

وهذا من قراءة النوايا التي تكون نتيجة حتمية للشعور بالاضطهاد أكثر من اللازم, أو ربما هي من باب:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه                 وصدق مايعتاده من توهمِ

وكما مر معنا في التمهيد أن “الإنسان المغترب في نشاطاته الاجتماعية لايحقق ذاته ولايشعر بالسعادة ولاينمي مهاراته”. نجد هذا التعريف حاضرًا في طريقة تعاطي غالب مع حدث يهم أسرته, ويفترض أن يهتم له!

والاغتراب ليس على مستوى المقربين جدا, بل هو اغتراب عن الأقارب أجمعين, كما حدث ليلة زفاف أخته من تحاشيه لهم قدر الإمكان يقول في ذلك:

“تحاشيت أن أبدأ أيّ ضيف بالسلام إلا من التقت عيناي بعينيه, ولم يعد من مصافحته بد. ولما كان أكثرهم يتحاشون ذلك مثلي لم أجد نفسي مضطرًا للسلام سوى على قلة منهم. يبدي نصفهم اشتياقا كاذبا ويطرح أسئلة عن غيابي الدائم بينما يصافحني نصفهم الآخر بنظرات متطيّرة وكأنهم يخشون أن يصيبهم مسّ مني”

وعن زوج أخته الذي يبحث عن واسطات دائما مع أنه ليس مضطرا لها يقول بعد أن سأله ماإذا كان يعرف أحدًا في مؤسسة التقاعد؛ لأن زوجته تفكر في التقاعد: “هززت رأسي بالنفي في إجابتي عن سؤاله, وحشرت في فمي لقمة كبيرة؛ لأضطر إلى مضغها طويلاً فلا يستمر حديثنا”

حتى الأصدقاء الذين يختارهم الإنسان طواعية؛ ليكونوا حصنًا منيعًا يحول بينه وبين الوحدة, والتهميش تناقصوا مع السنوات, يقول في ذلك:”كان هناك أصدقاء كثر لاتخلو أماكنهم في المجلس الذي اختزن نزقهم جميعا ولم يضق بهم يوما غير أن داوود ظل وفيا للمكان أكثر مني أنا ساكنه الوحيد .وعندما توقف الأصدقاء  عن ارتياد فيلتي بعد أن شاخت أرواحهم عن النزق وانشغلوا بالأطفال والرواتب والأسهم, وحده كان يمنحني وقته دون مساومه”

يتناقص مع مرور الزمن عدد الأشخاص الثابتين في حياته, فتزداد وحشته دون أن يشعر, ويشعر بالنقص, يقول في هذا الشعور:

” رحت أسجل ملحوظات غير ضرورية حتى أبدو مشغولا ومهما لمن يطالعني عن بعد”

من كل ماسبق, وبلغة علوان الواصفة بدقة لانظير لها,تعرفنا على أهم مشكلات الشباب السعودي, وكيف تدرج الشعور حتى وصل ذروته, فبدت الحياة كأنها تلتهم معها قائمة الأسماء الطويلة حتى على مستوى المقربين.

التهميش معضلة شبابية تخرج لنا جيلا تافهًا ليس لديه مايقدمه لمجتمعه. وتضعف المجتمعات بلى شك إذا زادت فيها هذه القضايا على مستوى الشباب خاصة؛ فهو عماد الأوطان, ونافذتها نحو المستقبل.

الخاتمة وأهم التوصيات

انتهى وقتي مع هذا البحث, ولم ينته وقتي مع الرواية, التي تأخذني بيدي إلى أقصى مساحات الروح كلما قرأتها.

أدب علوان لايستحق أن يُلتهم على عجل, فهو أدب أقل مايقال عنه: كلما زدته تأملًا زادك إلهامًا ومعنى.

هذه الرواية وغيرها من روايات الشباب السعودي تستحق أن تُقرأ من قبل التربويين, وعلماء الاجتماع أيضًا, لمعرفة المسافات التي قطعها الجيل الشاب في وعيه وتطلعاته, حتى لايتصادم الجيل مع نظريات تربوية بالية.

وأخرج من هذا البحث المتواضع بثلاث توصيات أجدها ضرورة لسير عجلة البحوث السعودية, فيما يعود على المجتمع بالنفع والفائدة,أولها ماذكرته سابقا, وهي:

1-توجيه لجان مختصة في علم الاجتماع, وعلم النفس, والتربية؛ لدراسة الأدب الذي يعنى بأهم قضايا الشباب السعودي, لردم الهوة التي قد تنشأ بين جيلين.

2-توجيه بحوث المرحلة للتنقيب في الأدب الشبابي الذي اختط لنفسه خط سير مغاير من حيث تراكيبه, وأخيلته, التي تتسم في مجملها بالجدة والحداثة, والابتكار.

3-تشجيع الشباب السعودي الذي يكتب عن قضاياه, باستحداث جوائز شبابية سنوية, لتشجيع جودة المنشور.

 

المصادر والمراجع

  • ابن فارس, مقاييس اللغة,ت:عبدالسلام هارون,دار الجيل, بيروت, لبنان,الطبعة الأولى,1411,1991
  • ابن منظور, لسان العرب,دار الفكر,بيروت, لبنان,الطبعة اأولى, 1410هـ-1990
  • الجابر, مريم,صحيفة الرياض, السعودية15 نوفمبر2016 .
  • حجازي, مصطفى ,التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور,المركز الثقافي العربي,الدار البيضاء, المغرب, الطبعة التاسعة,2005
  • حجازي، عزت،الشباب العربي ومشكلاته، عالم المعرفة،ا المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،فبراير،١٩٨٥،ص ٩
  • حمدان, محمود,أدوات التشبيه دلالاتها واستعمالاتها في القرآن الكريم, مطبعة الأمانة,مصر,الطبعة الأولى,1413-1992
  • الديب, هدى,الاستبعاد الاجتماعي ومخاطره على المجتمع,مجلة إضافات, العدد31-32-2015
  • رادفر, أبو القاسم ,السخرية؛ لغتها، أشکالها، ودوافعها,موقع ديوان العرب على الشبكة,29يناير2011.
  • شعيب, مها,دلالات تهميش التماسك الاجتماعيفي المدارس الثانويةفي اتجاهات التلامذة السياسيةوالاجتماعية,والمدنية في لبنان,مجلة عمران, العدد10-3 خريف2014
  • صحيفة سبق الإلكترونية عدد 4مارس2016
  • صحيفة عكاظ السعودية : عدد22 يناير 2016
  • عبدالإله، فرح,حول مفهوم الشباب،مقالات،منهل الثقافة والتربية، مجلة إلكترونية،١٣-٩-١٤٣٤هـ
  • علوان, محمد, رواية القندس,دار الساقي,بيروت,لبنان, الطبعة الأولى,2011
  • الفيروز آبادي,القاموس المحيط, دار الجيل, بيروت, لبنان,الطبعة الأولى.د.ت
  • قاموس المعاني عربي عربي على الشبكة .
  • قزيمة, فاطمة,الاغتراب في شعر محمد الشلطامي,المجلة الجامعة, العدد17 المجلد2, أغسطس2015
  • المنفلوطي’ مصطفى, النظرات ,مكتبة الهلال, مصر,د.ت.
  • الموسوعة الحرة على الشبكة(سخرية)
  • نجيب, ناجي,كتاب الآحزان فصول في التاريخ النفسي والوجداني والاجتماعي للفئات المتوسطة العربية,دار التنوير,بيروت, لبنان, الطبعة الأولى,1983.
  • هاشم, نجوى ,مقال ثمة حياة على الهامش, صحيفة الرياض, السعودية,15 نوفمبر2-16

 

  • الدكتورة عضو هيئة التدريس بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالرياض

تم تقديم هذه الدراسة لمؤتمر الأدباء السعوديين الخامس (الأدب السعودي ومؤسساته: مراجعات واستشراف ما بين (1400 – 1437هـ / 1980 – 2016م) 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق