حوارات منشورة
أخر الأخبار

عبدالله ثابت: قصيدة النثر في السعودية تقدمت ثلاث خطوات

عبدالله ثابت

زكي الصدير

يرى عبدالله ثابت أن أحد معاني ما يفضي إليه الانصراف التام لعالم الكلمات هو أن الكلمات نفسها، مع مرور الوقت، لا تبقيك عند باب المتعة ولا المحاولة والتعبير، بل تشدك إلى الداخل شيئا فشيئا.

يقول “مع كل كتاب تقرأه تسحبك عميقا شبرا، مع كل نص تكتبه تسحبك أيضا، هذا الغوص ينفذ وينفذ حتى تدلف بابا آخر، هناك في الأحشاء، توقن بعده أن الكلمات هي الخلاص، خلاصك الشخصي، بل وخلاص العالم، أنها حيلتك ونعمتك الفريدة، أسلوبك الشجاع، كي تتغير أنت نفسك، كي تبقى تحت نظر الحياة، وكي تتقدم في هذه المحاولة الساحرة. هذا هو الأعلى، هذا هو اليانع”.

الشعر والحرية

عن جدوى الكتابة وقدرتها على التغيير يقول ثابت “بالنسبة إلى تغيير الأشياء والعالم، فهذا جزء من طبيعة الكلمات بالأصل، ومهمتها العفوية والجوهرية دوما، لا شيء أو أحد يمكنه أن يسلبها هذه الريشة الإلهية، وسواءٌ واتاك التاريخ وقُدر لك أن تكون طرفا في كلمته، أم لا، فإن هذه العظمة كانت البدء وستبقى!”.

وفي سؤال عن قراءته للمشهد الشعري السعودي المعاصر يجيب “قصيدة ثمانينات الحداثة، بنجومها، تعود لذائقة الناس، خصوصا لدى جيل لم يشهدها، حتى من خارج الجمهور الشعري، ستجد مثلا من يستدعي محمد الثبيتي وعبدالله الصيخان ومحمد زايد الألمعي وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري.. الخ، إن لم يكن تحديا، وهذا قليل، أو تمثّلا لأسلوب الكتابة وبناء القصيدة، فمن قبيل اعتبارها مازالت اللحظة الشعرية الأكثر بهاء ودويّا، في مشهد الشعر السعودي، على امتداده، حتى اليوم”. ويوضح ثابت أنه علت جماليات لأصوات شعرية رفيعة، عبر جوائز المهرجانات الرسمية، أو المسابقات المتلفزة، أو المناسبات العامة. وأن قصيدة النثر في السعودية تقدمت ثلاث خطوات، واحدة في العمق، وثانية في الإنتاج، وثالثة في الحضور. وصار من الممكن القول إنها أصبحت بالداخل السعودي ذات مشروعية معلنة، وهذا قبل عقدين، على الأكثر، لم يكن ممكنا، عبر أي مؤسسة ثقافية.

ويضيف “تحضر كتابة النساء لقصيدة النثر، أكثر منها لدى الشباب، في الجيل الراهن، يمكن الانتباه مثلا لكتابات هدى ياسر، صبا طاهر، تهاني سلطان وسهام محمد. وبعيدا عن القنوات الرسمية المعتادة، هناك شعراء سعوديون، صار لنصوصهم وصوتهم حضور الخجول في مهرجانات عالمية، لكن هذا سيفتح بابا بالغ الأهمية مستقبلا”.

في وقفة مع ضيفنا حول حرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة السعودية على وجه الخصوص، يعلّق ثابت قائلا “بالنسبة إلى السنوات الراهنة فلا بد من الإشارة إلى مؤثر جديد، عند الحديث عنها، وهو تراجع الصحافة بشكلها التقليدي، عبر العالم، لصالح أقنية الإعلام الجديد، ووجود وسائط محدثة للخبر، والرأي، والتعبير، كمواقع التواصل مثلا، والتي جعلت من السؤال نفسه حول الصحافة التقليدية أقل اعتبارا وأهمية، والجميع يعرف أن صحفا حول العالم، إما توقفت تماما، وإما توقفت عن الصدور الورقي”.

ويتابع متحدثا عن حرية الرأي “في تقديري، تسارع الأحداث يحتاج لفحص دائم ومستمر، مع العناية بتوسيع مساحات الرأي، وخصوصا أن هناك التفافا عاما حول المشترك الوطني والمنجز الإصلاحي والتنموي القائم.

ويشير عبدالله ثابت إلى أن هناك خلطا في ما يتعلق بحقيقة الصراع بين الحداثة والصحوة في السعودية، أن الصحوة كانت تيارا وتنظيمات، بينما كانت الحداثة، في الغالب، أصواتا فردية، يقول “تيار الصحوة المنظم كان يهجم بذخيرته وجنوده ومشروعه، بينما يواجهه صوت أديب أو ناقد أو مفكر، أو صحافي، ولك أن تتخيل شكل المعركة، ونتائجها، ومن هذه الزاوية أكن احتراما كبيرا لكل صوت وقف بوجه اكتساح التيار، وتمكنه من الحياة اليومية، وأكثر من هذا اختراقه لمؤسسات رسمية كبرى، كان يمرر من خلالها ما يريده!”.

ويضيف “انسحاب خطاب مكتمل من حياة الناس، كان يلقنهم حتى كيف يقضون أدق دقائق حياتهم، ثم بقاؤهم هكذا في الفراغ، فهذه مخاطرة، ومهما ملأت الفعاليات حياة الناس، فإنهم أخيرا بحاجة لفكرة بديلة مكتملة تملأ حياتهم، وأستبشر كثيرا بمشاريع من نوع مركز الملك سلمان لمراجعة السنة، إذا تم تفعيله جيدا، ومؤخرا الابتعاث الثقافي، وسواها. يجب أن تكون هناك مشاريع أشمل تتولاها مراكز بحوث ودراسات وجامعات، تتحول مخرجاتها لمناهج التعليم والجامعات والمنابر، وكل ما يخص تأهيل المجتمع والعمل على تحديثه، هكذا يشتغل العلم”.

مبادرات الوزارة

عن مبادرات وزارة الثقافة يقول ثابت “صناعة الثقافة من العمق الاجتماعي، بوصفه كل المكونات، التاريخية والوجدانية والتراثية للمجتمع.. الخ، وصولا لتفاصيل الحياة اليومية، بكل ما أثر ويؤثر ويتأثر به، وأعني أن تتحول الثقافة بهذا المفهوم إلى مشاريع تنتج من الداخل، على عدة مستويات، عبر هذه المكونات، إما من خلال المؤسسات باختلافها، وإما تلك التي تتبناها الوزارة وتعمل عليها، بما فيها مشاريع الأفراد، والتي ستفضي جميعها عبر الوقت إلى وجود حركة ثقافية متينة وفاعلة، ينعكس منتجها بشكل عام على نمو المجتمع نفسه ورفع وعيه وتحديثه، وهذا أحد ما تريده الرؤية والتحوّل على المدى البعيد، حيث تمضي السعودية حثيثا لتكون مركزا للحداثة، ليس في ثقلها السياسي والتنموي فقط، بل وعبر الدور الثقافي، وخصوصا مع انهيار مراكز الحداثة في البلدان المجاورة، بفعل اضطراباتها وظرفها التاريخي المؤسف، الذي تمر به منذ سنوات. ولأجل هذا الدور الثقافي المهم جدا، أجد أن الاشتغال على هذه الصناعة، ومن العميق الاجتماعي لدينا، هي الطريق الأهم، وهي الأجدى مستقبلا، مهما كانت هذه الطريق طويلة”.

في ظل هيمنة قوى الترفيه والرياضة، ثمة رأي يتداول في صفحات التواصل الاجتماعي (عبده خال أنموذجا) حول التفات هيئة الترفيه بقيادة المستشار تركي آل الشيخ للفنانين والمغنيين، لكنها أهملت في تكريمها المثقفين والثقافة التي هي، بحسب رأيهم، القوة الناعمة للمملكة.

وفي هذا الشأن يقول ثابت “لم أطلع بالتمام على الجدل الذي صار بشأن تغريدة الصديق العزيز عبده خال، لكني أجد في لفتة أديبنا الكبير فرصة للتساؤل حول التداخل الظاهر في عمل المؤسسات، وقد يكون هناك تنسيق ليس معلوما، لكن لنأخذ هذه الأمثلة: هيئة الرياضة في العام 2017 قامت بتكريم عدد من الفنانين، وتكريم خاص للكبير أبوبكر سالم، رحمه الله، بينما يفترض أن هذا دور هيئة الترفيه، ثم تقوم وزارة الثقافة بإقامة حفلات غنائية، بينما هي من عمل هيئة الترفيه، مثل الحفلات الغنائية العام الماضي 2018 وعام 2019 في المهرجان الرائع، شتاء طنطورة، بمدينة العلا التاريخية، وكذلك قامت هيئة الترفيه بتنظيم أمسيات شعرية وثقافية، في مواسم المملكة، بينما هذا من عمل وزارة الثقافة، وزد عليها عمل مؤسستي مسك الخيرية وإثراء، ولنقل إنه قد يُبرر هذا التداخل جزئيا، من جهتين؛ الجهة الأولى هي أن بعض الفعاليات تكون بكامل برامجها تحت إدارة واحدة، كشتاء طنطورة مثلا”.

ويتابع “من جهة ثانية إن هذه المؤسسات كلها حديثة وفي طور التشكّل، ومع الوقت ستتضح المسارات وآليات العمل. بكل حال فإن مشروع التحوّل والتحديث الاجتماعي بأكمله مازال في سنواته الأولى، وهي ليست بالوقت الكافي لقراءته ولا للحكم عليه، ومع ذلك فقد حقق عبر أكثر المؤسسات منجزا رائعا بالفعل”.

ويختتم شاعرنا حديثه بالقول “إنني شخصيا أرى أن الاهتمام الأمثل بالمثقفين هو تبنّي مشاريعهم ومنجزهم. في العديد من البلدان، التي تعتبر الثقافة إحد أهم واجهاتها وقواها، هناك العديد من أشكال هذا الاهتمام الفاعل والحقيقي، لا يبدأ من تبنّي إبداعهم، ولا ينتهي بتفريغهم تفريغا كاملا، بل والعناية حتى بواقع حيواتهم، التي ليست دوما على ما يرام”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق