الدراسات‏دراسات خاصة

«الرواية كفرضية أخرى… للحياة!»

تظل الرواية فرضية أخرى للحياة.

بقلم: عادل الدوسري

• ربما كانت الروايات في الجيلين الأوليين في المملكة تسير وفق رؤية فنية سليمة، وقلما كانت تخرج عن المعايير المتعارف عليها
• مع جيل «التويتريين» في الرواية وقعت أم الكوارث، وذهبت فنياتها، ووجودها، وفرضياتها في سلة مهملات «التُجار» والمسوقين، وصناع الموضة.
• لا أتقبل قراءة رواية تُشعرني بأن الشخصية الرئيسية في العمل بنيتها السيكولوجية ضعيفة.

لا أحد يمكنه التكهن بسلوك الفرضيات، طالما أنها تدار خارج ما يسمى بـ «الواقع الحقيقي» لكن هذا لا يستثني الرواية من كونها محاولة جادة بعض الشيء، محايثة للوقائع، وتجربة عميقة – من الناحية النظرية والمضمون الخارجي لاختلاق العالم – إنما وفق مفهوم آخر، ربما يجوز أن نقول من وجهة نظر شخصية صرفه. فثمة أسباب كثيرة تدعو الروائي للكتابة، لإبداء رأيه الذي قلما كان مؤثرًا، أو هامًا.
استوقفتني مقالة ذكرها الروائي «ميلان كونديرا» في كتابة الستارة، تحت عنوان «الفار من الجندية» وفي هذه المقالة تناول فرار الجندي من الجيش، أي جندي بطبيعة الحال، وأي جيش، من وجهة نظر أخلاقية شعبية، وكذلك سياسية واجتماعية، حيث يكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع في العقل الجمعي على أن هذا الفار من الجندية، مقيتًا ومذمومًا وشبيهًا بالجبناء والخونة – طبعًا لا يفوتني أن أذكر بأن تناوله لهذا الأمر هو محض استعارة بعيدة عن الموقف القضائي لحالة كهذه – ولكن «ميلان كونديرا» ينظر إلى الأمر من وجهة نظر الروائي، وهذا هو ما أثار اهتمامي فيقول: «الفار من الجندية هو من يرفض إعطاء معنى لنضالات معاصريه. من يرفض أن يرى عظمة تراجيدية في المذابح، من يشمئز من المشاركة كوميديا التاريخ كمهرج. رؤيته للأمور واضحة غالبًا، واضحة جدًا، لكنها تجعل موقعه عصيًا على الإدراك؛ تفصله عن رفقة أهله؛ تقصيه عن الإنسانية».

الحقيقة المباشرة

ثمة لحظات يتبدى فيها الإدراك الكامل للحقيقة كشيء هزلي، أو فلنقل لعنة، لعنة من تلك اللعنات التراجيدية، التي تضفي نوعًا من الدراما الحزينة أو الكوميديا السوداء على حياة من يكتشف السر، حتى أن المرء يندب حظه الذي جعله يفرط في «نعمة الجهل المطبق». وعلى نحو أقل فلسفية، ربما لن يعجبك الوضوح الفج في الحقيقة المباشرة، أعني ذلك النوع من الحقائق التي تبدو كشيء يستحيل إعادة النظر فيه، آه لماذا يستحيل إعادة النظر فيه؟ ألا يمكن أن تكون هناك فلسفة رياضية أو سحر رقمي يجعل الناتج المنطقي من 1 + 1 لا يساوي (2) بالضرورة، ربما أقل، أكثر بقليل، لا يعني شيئًا على الإطلاق. وبعيدًا عن رقمية النتائج ماذا عن المعنى الماورائي لهذه المعادلة التافهة؟ البسيطة بسبب وضوحها المباشر؟ ماذا عن كواليس «اللامتوقع» في هذه الحسبة؟ وماذا عن الحل قبل أن يأخذ كل هذه «البديهية الهازئة» بعقولنا؟ ماذا عن الرقم نفسه وشكليته؟ لماذا أصلًا كان «الواحد» هو الذي يأخذ هذا الشكل (1) وليس هذا الشكل (2)؟ هذا من ناحية الرسم الشكلي، ولكن من حيث اللفظة، ما هي الدلالة التي تعنيها كلمة واحد؟ لا تقل إن ذلك يعني الرقم (1) أرجوك، لا تتفلسف حول وحدانية الشيء، أي شيء، لأن هذه الدلالة الذهنية هي النتيجة الراسخة من التلقين، الذي يجعل هذا الرقم برسمه الشكلي يلمع في ذهنك كوميض حين يُذكر.

مصيدة النسيان لكثرتهم

ما أود قوله، هو أن الرواية يمكنها أن تذهب إلى ذلك النوع من الأسئلة، إلى قراءة السبب الفلسفي في الوجود والفعل الإنساني، حتى وإن كان ذلك بشكل مبسط من حيث طريقة العرض. يمكن للرواية أن تكون تنظيرًا حيويًا، تشعر وأن تقرأه بخاصية الحس اللمسي، أو فلنقل الواقعي جدًا. إنها تقنية اختلاق حياة خيالية مشابهة للواقع. إنها ليست مجرد «كتابة نثرية – هزلية – ملحمية» كما يصفها «فيلدينغ» أحد الرواد الروائيين الأوائل، على الرغم من دقة الوصف، ولكنها تفكيك جمالي لمجريات الوقائع. وذلك التفكيك يقتضي الحبكة والسرد والوجود السيكولوجي، وسوف استبعد عمدًا، ها هنا، حالة السلامة السردية من «التمطيط» كما يقال، لأن ذلك بالنسبة لي أشبه ما يكون بالنقد اللاأخلاقي لحرية إنسان ما في أن يسرد كيفما يشاء، ولأن الصرامة النقدية، وفي هذه الناحية تحديدًا، تقتل حرية الروائي الذي يجدر به أن يكون حرًا حين يكتب، ولأن – وأعرف أن الـ(لأن) كثرت هنا «أكدمة الرواية» يحولها إلى عملٍ آلي. وهذا سيء للغاية. لابد أن يبقى للرواية تلك النكهة الإنسانية، القيمة الفنية للعمل اليدوي أو الإبداع البشري، التوازن الواقعي حتى من ناحية الأخطاء التي تثير جدلًا لذيذًا كما يحدث في واقعنا حين نختلف حول تفسير أو قراءة سلوك شخص ما.
حين نتابع مسلسلًا دراميًا تُزعجنا الإيماءات التي لا تبدو متوافقة مع طبيعة المشهد دراميًا، ولا مع التكوين السيكولوجي لشخصية (الممثل) ولا حتى مع الاتجاه الذي تذهب إليه القصة. والشيء نفسه يحدث مع الرواية. إذ لابد أن تحظى بشيء من الواقع ما لم تكن مكتوبة وفق اتجاهات المدرسة السيريالية أو بمخيلة حرة تصنع الفانتازيا. لذلك إن سألتني عن عدد الروايات والروائيين والروائيات الذين أثروا المشهد الأدبي والثقافي في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، فسوف أقع في مصيدة النسيان لكثرتهم. لكنك لو سألتني عن رواية مليئة بالواقع الحسي، فلن تسعني الإجابة دون الإحالة إلى تقسيمات تاريخية للروائيين والروائيات ورواياتهم.
على المستوى التاريخي لابد أن يكون هناك جيل الرواد، ثم جيل التابعين، ثم جيل تابعي التابعين أو فلنقل جيل «التويتريين». وربما كانت الروايات في الجيلين الأوليين تسير وفق رؤية فنية سليمة «غالبًا»، وقلما كانت تخرج عن المعايير المتعارف عليها، أقول المعايير لا الحدود، وأعتقد أن المعايير شيء ضروري من الناحية النقدية طالما أنها لا «تؤكدم» الرواية. المهم أن رواياتهم كانت ذات شكل سردي يعتمد على البناء الكلاسيكي للحكاية، قبل أن تأخذ الرواية طابعًا شعريًا في لغتها، وسيرياليًا أحيانًا، لدى جيل التابعين، وهو ما لم يكن مقبولًا حينها لدى كثير من النقاد.
وعندما وصلت الرواية إلى جيل «التويتريين» وقعت أم الكوارث في الرواية، وذهبت فنياتها، ووجودها، وفرضياتها في سلة مهملات «التُجار» والمسوقين، وصناع الموضة. فقد خرجت عن أبسط أبجديات القصة، وتحولت إلى شيء جديد، يصلح أن يكون أي شيء فيما عدا الرواية. لا تشابه الواقع، وليست فانتازية، ليس فيها أي حوار يحمل قيمة ويحيل إلى أفكار فلسفية، ولا تحرك ساكنًا في الفكر، ولا تفتح آفاقًا تأملية. بعضها يكتب بأسلوب وعظي، وكأن الرواية روشتة لطريقة العيش التي يتبناها أولئك الإيجابيين، أعني أهل تطوير الذات. أو كأنها خرجت من معمل تربوي فحسب. من مدرسة على الأرجح، وهذه أقل سوءًا من تلك التي لا تحمل أصلًا أي فكرة. ناهيك عن الأخطاء الجسيمة في المتن والحبكة.
الأمر السيء ليس في غياب واقعية الرواية السعودية الحديثة، أعني ذلك الواقع الحي، بل في ابتذاله عبر تبسيط اليوميات، حد غياب الحدث والفكرة، والاكتفاء بنموذج لسيناريو مسرحي، أو واقعة لحظية، تشبه أقاصيص الواتساب، أو محادثات الأخلاء التي يُعاد تفريغها وتركيبها في قالبٍ قصصي هش مضاف إليها، لتبدو كحدثٍ مقولب في ثنايا روايةٍ ما، إن صحت تسميتها بالرواية. وأقصد هنا ذلك المنتج «الروائي» الشبابي «السعودي»، الذي لا يفتقر إلى الواقع إلا بقدر حاجته إلى الحفر في عمق هذا الواقع. لماذا أقول إنه لا يفتقر إلى الواقع؟ لأن الواقع موجود فعلًا، غير أنه منمنم. مبسط بشكل يثير السخرية، بعيد عن العمق!
إني مثلًا لا يمكن أن أتقبل قراءة رواية تُشعرني بأن البطل، أو الشخصية الرئيسية في العمل غير مقنعة من حيث بنيتها السيكولوجية. ليس أنها تتصرف بطريقة لا متوقعة، ولكنها تتصرف بسذاجة تبرهن على أن اختلاقها جاء كيفما اتفق. وأن الراوي أراد كتابة عمل روائي والسلام. راجع مثلًا تصرفات زوج مدام بوفاري في رواية مدام بوفاري، سوف تقتنع على الفور بالسبب الذي جعله يؤثر سلامًا زوجيًا وعشًا هانئًا في بيت الزوجية، على مشاحنات ربما تودي بحياة زوجته التي كان يعي جيدًا أنها لا تحبه، بل وأجزم –رغم أن هذا لم يجيء في الرواية-أنه كان يعرف بأنها تعشق رجلًا آخر. وأنظر إلى رسكولنكوف، في رواية الجريمة والعقاب، أنظر إلى بنيته النفسية، إلى بيئته، قناعاته، ثقافته، وسوف تفهم لماذا شعر في لحظة ما بحاجته إلى أن يكون مناضلًا، ثائرًا، ثم قاتلًا تحول ضميره إلى جحيم أبدي. لكنه ليس من المقنع أبدًا أن يدخل شاب إلى منزل خطيبته، ليخطبها دون أن يخبرها أنه جاء لخطبتها، وفي الوقت الذي تترجاه عبر رسائل هاتفية لا يجيب عليها أن يحسم الأمر ويتقدم لخطبتها، لأن في مجلسهم عريس ينتظر أن يراها الرؤية الشرعية، تدخل إلى المجلس بإجبار من أبيها لكي يراها الخاطب، فتصعقها المفاجأة حين ترى أن العريس هو حبيبها الذي قرر أن يفاجئها… يا للهول!
من أجل هذا لابد أن تتحول فرضية الرواية إلى واقع، واقع ملموس يمكن محاكمته والاستناد لحكمه أحيانًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق